الخميس، 18 أكتوبر 2012

الاستعمار الاقتصادي أو الإجتياح الإقتصادي

الاستعمار الاقتصادي المانيا نموذجا

نعم لقد تغير العالم وتغيرت أساليب إدارته والسيطرة عليه فلم تعد القوة العسكرية هي الوسيلة الأمثل للسيطرة على العالم ولفرض رؤى وأجندة القوة الاستعمارية عليه وللتطرق إلى هذا الاستعمار سأحاول مقاربة الموضوع من خلال النموذج الألماني الذي يعتبر الأكثر وضوحا على المستوى العالمي فالمعروف أن لألمانيا نزعة لسيادة أوروبا والسيطرة عليها فبعدما اجتاح هتلر معظم أوروبا واضطر
 بعد سنوات من الحرب للانسحاب والانتحار وخرج بنتائج كارثية على ألمانيا وأوروبا والعالم تمثلت بملايين القتلى والجرحى وبدمار هائل وبألمانيا مقسمة إلى شطرين ها هي ألمانيا قد عادت ومن جديد للسيطرة على أوروبا بعدما نهضت من تحت التراب والأنقاض وتوحدت من جديد وكونت أكبر اقتصاد أوروبي وثالث أكبر اقتصاد عالمي إلى زمن غير بعيد تراجعت بعد نمو الصين إلى المركز الرابع خلف اليابان التي تنازلت عن المركز الثاني للصين وسعت جاهدة لتكوين ما يعرف بالإتحاد الأوروبي ومن ثم منطقة اليورو التي حققت من خلالها السيطرة الحقيقية على الدول المنضوية تحت عضوية العملة الأوروبية الموحدة اليورو بحكم أن ألمانيا هي الاقتصاد الأكبر والذي من خلاله استطاعت أن تمسك بزمام الأمور في منطقة اليورو وأن تخضع جميع دول المنطقة لمشيئتها خصوصا بعد الأزمة المالية العالمية التي ضربت أمريكا وأوروبا وجعلت الكثير من الدول على حافة الإفلاس مما جعلها تسلم أمرها منقادة إلى الدول التي تعرض مساعدتها وبأي ثمن ولأن أمريكا وبريطانيا منشغلة بمعالجة أوضاعها للتعافي من أزمة الديون والركود الإقتصادي والأزمة المالية العالمية ولأن معظم الدول الأوروبية تطبق سياسة مالية واحدة بحكم أن العملة المستخدمة واحدة فكان من الطبيعي أن تكون ألمانيا الاقتصاد الأكبر في منطقة اليورو هي الدولة المعول عليها إنقاذ تلك الاقتصاديات حفاظا على العملة الموحدة وحفاظا على مكانتها داخل هذه المنطقة والمجموعة ولأن تلك الدول بحاجة ماسة لمن ينقذها ولأن خياراتها محدودة فلم تجد بدا من الاستجابة لكل الإملاءات الألمانية ليتضح للجميع أن ما فشلت ألمانيا في الحصول عليه عسكريا من إخضاع لأوروبا قبل أكثر من نصف قرن من الزمن هاهي ألمانيا تستطيع إنجازها من خلال الاقتصاد ومن خلال الإقراض وأن ما عجز عن تحقيه هتلر ها هي أنجيلا ميركل تستطيع إنجازه وبأقل التكاليف بل ربما بدون تكاليف حقيقية .
لقد أثبتت ميركل أن ما عجزت ألمانيا عن تحقيقه في أربعينيات القرن الماضي من خلال القوة العسكرية ومن خلال الحرب تستطيع إنجازه من خلال المال وها هي ميركل تدير أوروبا من برلين تنقذ الدول المتعثرة بالإقراض وبالشروط التي تريدها وترسم السياسات الاقتصادية وغير الاقتصادية لبلدان منطقة ليورو المتعثرة والمترنحة وكأنها مقاطعات ألمانية تفرض ميزانيات تلك الدول وتجبرها على التقشف وتحدد لها اتجاهات وبرامج الإنفاق وتحد منها كيفما تريد وتقر برامج الإنقاذ وترفضها وتحكم على الدول المفلسة بما تريد وأصبحت زياراتها لتلك الدول المضطربة أهم الأحداث يرافقها في بعضها أكثر من ستة آلاف شرطي ألماني لتوفير الحماية لها كما حدث في أثينا عاصمة اليونان أكثر الدول تضررا في منطقة اليورو هذا عدا عن عشرات الآلاف من الشرطة اليونانية فماذا كان يطمح هتلر في تحقيقه أكثر من هذا ؟
ألمانيا لها نفوذ على المستوى العالمي من خلال القروض والمساعدات لكن ليس بنفس النفوذ الموجود في منطقة اليورو بحكم الفارق بين حجم الإقراض والمساعدات ما بين منطقة اليورو وبقية العالم فمن المعروف أن نسبة سيطرة الدول المانحة والمقرضة تتناسب تناسبا طرديا مع نسبة المساعدات والقروض التي تقدمها للدول المحتاجة حتى أنه ومن خلال المساعدات والقروض يصبح أمر السلم والحرب وحتى الدفاع عن النفس بيد الدول الغنية المقرضة كما هو حاصل في منطقتنا العربية التي أصبحت ومن خلال المساعدات والقروض الأمريكية والغربية لا تستطيع أن تتخذ معظم قراراتها السيادية قبل الرجوع إلى أمريكا والغرب فأي احتلال أقسى من هذا الاحتلال وأي استعمار أشد منه فالاستعمار العسكري كانت الشعوب تستطيع الخروج عليه ومقاومته أما هذا الاستعمار فلا مجال لمقاومته إلا بالتخلص من أدواته والتي لها علاقة مباشرة بالطعام والشراب والشعوب عندما تكون جائعة لا تفكر بالحرية ولا بالمقاومة .

جلال الوهبي
jalalalwhby@gmail.com

ليست هناك تعليقات: