الاثنين، 24 أغسطس 2009

عناق حار

لم يكن في وداعي عندما غادرت فهل سيكون في استقبالي عند عودتي أم أن الظروف التي غادرت فيها هي نفس الظروف التي أعود فيها فهو لم يكن يعرف بالضبط موعد سفري إلا قبل المغادرة بساعات قليلة رغم علمه أنني قد أسافر في أي لحظة وهو الآن لا يعلم متى بالضبط موعد وصولي رغم أني قد ألمحت له احتمال عودتي اليوم ومع ذلك فأنا أتوقع وأتمنى رأيته وأشعر أنه سيكون أول من تلمحه عيناي في صالة الواصلين وبينما أحدث نفسي بهذه الأمنيات والاحتمالات بدأت الطائرة بالهبوط وما أن توقفت تأهب الجميع للنزول وكنت من أول المغادرين للطائرة وأرضية المطار وتحركت بسرعة كأنني أخاف أن أتأخر على موعد يتحدد على إثره مصيري وما أن أخذت حقائبي حتى بدأت عيناي تطوفان أرجاء المكان وكأنهما تبحثان عن شيء ثمين فقدته وما هدأت عيناي إلا بعدما لمحت مفقودها الذي بمجرد لمحه اجتاح نفسي طمأنينة افتقدتها طوال الرحلة وسعرت بالاستقرار وكأن الروح عادت إلي من جديد لقد كان في انتظاري واللهفة والشوق باديان عليه ولا تقلان عن لهفتي وشوقي وهذا ما جعلني أشعر بسعادة غامرة فما أروع أن يجد المرء في هذه الحياة من يشتاق إليه ويتمنى لقاءه ووصله فأسرعت الخطى نحوه تدفعني أشواقي إليه تنسني عناء الشوق ومأساة الفراق وعانقته بحرارة عاليه وشوق جارف وأخذ حقائبي وركبنا سيارة الأجرة عائدين إلى حارتنا وكل يسأل الأخر كيف قضيت هذه الفترة بعيداً عني وكل أظهر للأخر معاناته من ألم الفراق وأن السفر دون وداع كان أجدى فما كنا لنتجاوز ألم الفراق والوداع بسهولة على عكس فرحة العودة واللقاء وأن الأيام التي مرت لم ولن نحسبها من أعمارنا فكلها شوق ومعاناة لا ينبغي حسابه من العمر ولا تذكره ولا تكراره وتعهدنا على أن لا نفترق ثانية إما البقاء معاً أو السفر سويا فكلانا يكمل الأخر ولا غنى لأحدنا عن الأخر وافتراقنا يعني المعاناة بكل مرارتها وقسوتها ونحن لسنا مجبرين على ذلك ولن نقبل أن نجبر على ذلك لقد اكتشفنا أن الحياة معاً ربيع معطاء وأن الفراق خريف لا يرحم لقد اكتشفنا أن الأيام التي افترقنا فيها هي شتاء برده قارص لا دثار فيه وصيف حار يخنق لا هواء ولا ماء فيه وربيع لا تنبت أزهاره وخريف تتساقط فيه الأوراق والسيقان والجذور إن الحياة بدونه كصبح لا عصافير فيه ونهار لا عمل فيه وليل لا نوم فيه .
جلال الوهبي
Glal_wh@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: