شعب لا يعمل يثور
لا شك أن أحداث تونس ومصر قد لخصت الكثير من الكلام وجسدت العديد من الخطب ووضعت النقاط على الحروف وبينت المبتدأ والخبر ووضحت الفعل والفاعل وما ينوب عنه والمفعول بكل أقسامه ولا أرى ضير في توضيح الموضح لمن يأبى الفهم أو الوعي فكما نعرف أن قدرات الناس تختلف من شخص لأخر فهناك من يحتاج لأيام حتى يفهم ويعي وهناك من يحتاج لأسابيع وهناك من يحتاج لدروس عملية بجانب النظرية حتى يستوعب وهناك من لا يستوعب حتى النهاية في ظاهرة غريبة تستعص علينا أن نفهمها وتحكم علينا أن نكون مثلهم بعيدين عن الفهم والإدراك .
ملخص ما دار وما نطقت به الأحداث هو أن الذين خرجوا ثوارا لم يخرجوا من فراغ وأن لكل منهم مظلمة سعى نحو التخلص منها وهم فئات وكل فئة لها نسبتها فهناك نسبة لا بأس بها من الطبقة المتوسطة خرجت ليس لأنها تعاني من فقر أو جوع أو بطالة على العكس تماما فهي فئة مثقفة ومتعلمة وتمتلك الكثير من مقومات حياة الرفاهية لكن الذي كان ينقصهم شيء مهم غفلت عنه الأنظمة البائدة المستبدة إن الطبقة المتوسطة خرجت من أجل حقوقها السياسية من أجل الكرامة من أجل العدل والمساواة لم تستطع أن تتقبل الحياة في ظل قمع واستبداد وواسطة ومحسوبية فهم كثيرو الاحتكاك بفئات تملك السلطة والثروة وبواسطة الثورة والسلطة كانوا يحصلون على معاملة خاصة تجعلهم في مرتبة أعلى من هؤلاء فشعروا بأن كرامتهم قد مست وأن حقوقهم قد غابت وشعروا بهذا التهميش ولم يقبلوا به وهم نسبة ليست بالكبيرة لكن وجودهم في هذه التحركات كان ضروريا بحكم الثقافة العالية التي يمتلكونها والإمكانيات المادية والإعلامية التي سخروها من أجل نجاح هذه الثورة المباركة وفي نفس الوقت كان لهم الأثر الكبير في تنظيم هذه التظاهرات وقيادتها وقدموا الكثير من التضحيات والشهداء .
أما الفئة الثانية التي قامت بهذه الثورة فهي فئة المهمشين والعاطلين عن العمل الفقراء الذين يكادون لا يستطيعون الحصول على لقمة العيش الذين كان أكثر ما يعاب عليهم التحرش الجنسي بالنساء بالشوارع بعدما يئسوا من أن يحصلوا على نساء في المستقبل ويئسوا من أن تكون لهم أسرة أو عائلة وبمجرد أن بدأت الثورة انظموا إليها وبكل قوة واختفت ممارساتهم السابقة وأصبحت الشوارع تخلوا من أي تحرش أو انحراف بالرغم من الاختلاط الكبير بين الجنسين أثناء الاعتصامات والتظاهرات لأن ما كان يجمعهم أعظم من أن يتحرش بفتاة أو أن يثير أي مشكلة أو إزعاج فهم أمام فرصة للتغيير أعادة لهم الأمل في الحياة وفي أن تكون لهم أسر في المستقبل وفي الأساس أصبحوا يشعرون أنهم يصنعون مجدا وواقعا جديدا وأن لهم دور في هذه الحياة وأنهم يعملون من أجل أوطانهم وملأت الثورة ونشاطاتها المختلفة الفراغ الذي كان يملأ أرواحهم ويحول حياتهم إلى معاناة فهم كانوا بأشد الحاجة إلى مثل هكذا حركة تستوعب الطاقات والإمكانات المكبوتة بداخلهم وتخرجه إلى الخارج وإلى البيئة المحيطة لذلك فهم كانوا من أكثر الفئات ترحيبا واحتضانا للثورة وقدموا في سبيلها الجهد والدماء والأرواح وبحكم نسبتهم الكبيرة فقد كان عدد الشهداء بينهم مرتفعا وحازوا على نصيب الأسد في الشهداء والجرحى وأثبتوا أن من لا يعمل يثور وإذا ثار لا تخمد نيرانه حتى يفرغ كل ما بداخله ويشعر بأنه حقق مطالبه وأنه عاد إلى الحياة من جديد .
الفئة الثالثة التي ثارت فئة المظلومين والمقهورين هي فئة قد تشترك مع الفئتين السابقتين بكثير من الأسباب التي جعلتها تثور وكان كل همها من هذه الثورة الانتقام من النظام الذي قمعها في المعتقلات والسجون وفي الشوارع فكم من شخص قد أهينة كرامته وراء أن الفرصة مناسبة لتدمير المبنى الذي شهد إهدار كرامته وإنسانيته وفي نفس الوقت فإن الفرصة قد توفرت للانتقام من العسكري أو الضابط الذي عذبه واستغل سلطة الدولة للتجاوز وإهدار الحقوق الإنسانية والتعدي على كرامة المواطن الذي من المفروض أن يكون حاميا له ولكرامته وأن يتعامل معه طبقا للقانون بكل إنسانية وأخلاق .
وهناك فئات أخرى لها من الأسباب ما أجهلها لكي تثور وتعبر وتطالب بمطالب شخصية ومطالب عامة تتصاعد كلما وجدت عدم تجاوب من السلطة وقد لا تنتهي إلا برحيل من هو سبب في تفجر هذه الثورة وتأججها وفي الأخير فإن الديكتاتورية تورث كل المعوقات والمعاناة للشعوب التي تثور وإن الديمقراطية والعدالة هي الأساس للحفاظ على الأنظمة والشعوب وأكثر ما يثير الشعوب ويقلبها على الأنظمة غياب العدالة الاجتماعية وبقاء الشباب على أرصفة الشوارع في بطالة مخيفة وبالفعل شعب لا يعمل يثور .
جلال الوهبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق