مسيرة الحياة رعاية ربانية وعزيمة قوية
المقدمة :-
لقد خلد التاريخ مسيرة الحياة باعتبارها واحدة من أعظم
المسيرات التي قامت بها البشرية ومسيرة الحياة مثلت بسلميتها وحضاريتها وأهدافها
العظيمة الثورة السلمية بكاملها .
إنني عندما فكرت في كتابة الجزء الذي شاركت فيه مسيرة
الحياة كنت أعلم يقينا أن هناك أشخاص آخرين سيكتبون عن هذه المسيرة العظيمة خصوصا
بعد الأحداث الدامية والمأساوية التي تعرض لها الشباب المشارك في هذه المسيرة .
ومن واقع معرفتي بالمسيرة ومرافقتي لها فأنا أجزم أنه لا
يمكن لكاتب مهما تعددت وسائله وإمكانياته ومهما كانت قدرته الكتابية وموهبته
الأدبية أن يلم بكل ما حدث في هذه المسيرة وذلك لأن المسيرة من كبرها لا تتيح فرصة
لأحد أن يلم بكل ما يحدث فيها .
لقد كانت تحدث أحداث في مؤخرة المسيرة وأحداث في وسطها
وأحداث في مقدمتها لا نعلم بها إلا من خلال الرواية وكم تختلف الرواية عن الحقيقة
فراو يضيف وراو يحذف وكل حسب ذاكراته واهتماماته.
حتى أن أحداث جولة دار سلم لم يكن يعلم بها أغلب
المشاركين في المسيرة إلا من خلال الجول أو الرواية من شخص إلى أخر.
لقد حاولت جاهدا
أن أنقل ما رأيت لا ما سمعت وإن رويت ما سمعت قلت كما قيل وقد يكتب شخص أخر غير ما
كتبت فقد تكون نظرته للحدث أوسع من نظرتي وقربه منه أقرب مني فلا أشكك في روايته
وأدعي صواب ما قلت وللقارئ أن يقارن ويصل إلى ما يطمئن له قلبه وتأيده باقي
الأحداث والدلائل .
لقد حاولت أن يكون القارئ مع المسيرة خطوة بخطوة وحاولت
أن أضع القارئ في موضع الحدث ولست أدعي تميزي وإنما أدعي اجتهادي في إيصال أهم
الأحداث إلى القارئ وإن ذكرت بعض الأشياء غير المهمة فهي من باب التوثق والذكرى .
أنا أعتقد أن أهم ما كتبته في هذا الكتاب هو الكلام
الخاص بالاستقبال في ساحة التغيير وليلة خدار وجولة دار سلم وإن جاءت رواية ممن
كانوا في الصف الأمامي الذي كنت بالقرب منه عند بداية الأحداث الدامية فأنا أنحاز
إلى تلك الرواية فمن هم في الصف الأول أحق من غيرهم في الحديث عن أحداث جولة دار
سلم الدامية وإن كانت روايتي لما حدث في ما بعد الصفوف الأمامية هي الأدق من وجهة
نظري .
وبالطبع ركزت حديثي على الشباب المنظم إلى المسيرة بعد
نقطة انطلاقتها في تعز وذلك لأني أحد المنظمين وركزت في حدثي على المشارك البسيط
الذي انطلق دون أي تحضير مسبق للرحلة وقد أكون أهملت دور المرأة في هذه المسيرة مع
أن دورها عظيم وذلك إيمانا مني بأن المرأة أولى بكتابة دورها في هذه المسيرة وهي
الأقدر على ذكر التفاصيل بحكم التواصل الذي كان يتم بين النساء المشاركات في
المسيرة .
المجد والخلود للشهداء الأبرار الذين هم خيار الناس
وأكرمهم في هذا الزمان فقد جادوا بأرواحهم
لينعم غيرهم نترحم عليهم ونسأل الله العلي العظيم أن يتقبلهم وأن يكرم نزلهم
ويدخلهم فسيح جناته .
مسيرة الحياة رعاية ربانية
وعزيمة قوية الباب الأول
منذ الإعلان عن اليوم الذي ستتوجه فيه مسيرة الراجلة من
تعز إلى صنعاء وكلي شوق ولهفة للمشاركة فيها وكنت بين عدة خيارات أما أن أذهب إلى
تعز وأنطلق مع من تعز مع المسيرة إلى صنعاء وهذا ما كنت أميل إليه ولكن حسابات
أخرى جنحت إلى الرأي الأخر وهو أن أنتظر المسيرة حتى تصل إلى مشارف القرية في
منطقة المرفدين على بعد ستة كيلو متر من مدينة القاعدة باتجاه صنعاء .
وصلت المسيرة إلى منطقة المرفدين عند الساعة الرابعة
عصرا حيث كنت أناء وأبناء المنطقة في انتظارها وكانت مجموعة من أبناء المنطقة قد
عقدت العزم على مرافقة المسيرة إلى صنعاء ومجموعة أخرى إلى إب ومجموعة أخرى إلى
نهاية المنطقة وكنت أنا ووضاح وماجد وهلال من المجموعة التي عقدت العزم على مرافقة
المسيرة إلى صنعاء ومن القرية المجاورة لنا وهي قرية الحميراء كان قد عقد العز
شخصان هما حازم الصهباني شاب في العشرينات من عمره وعبد الجليل الزاهري رجل في
الخمسينات من العمر صاحب الروح الشبابية الثورية والعزيمة القوية .
بدأنا المسيرة التي شاركنا فيه الكثير من أبناء المنطقة
حتى جسر السياني الذي تجاوزناه باتجاه نقيل السياني تحت قرية دار الجبل حيث سقط
أول شهداء مسيرة الحياة نتيجة سقوطه من على إحدى الشاحنات إلى تحت أحد
إطاراتها وهو الطفل أنس مالك من أبناء
قريتي قرية دمنة نخلان ولربما جعل هذا الحادث المأساوي الكثير من الذين عقدوا
العزم على المشاركة في المسيرة يتراجعون بغرض المشاركة في الدفن والتعزية وقد كانت
تدور بخاطري مثل هذه الأفكار ولكن العزيمة أبت إلا أن أواصل رغم الحزن والألم على
موت الطفل الذي شاركنا المسيرة ولو لبضع كيلو مترات .
على الطريق إلى النجد الأحمر تعرفنا على إحدى المشاركات
باللجنة الطبية المرافقة للمسيرة وتدعى دلال عرفنا سمها عندما ناداني صديقي ماجد
يا جلال فردت عليه هل تعرفني قال لها ماجد لا قالت إذا لماذا تناديني باسمي فقال
لها أنا لم أناديك هل أنت جلال ردت عليه لا ولكن أنا دلال فرد عليها وأنا ناديت
على جلال وما يميز دلال من وجهة نظري هو قوة الصوت حتى يحسبها من يسمعها أنها قد
أوتيت مكبر صوت طبيعي لا يقل كفاءة عن مكبرات الصوت الصناعية .
كذلك فإن دلال هذه مفعمة بالنشاط والحيوية تسابق الشباب
جريا على الطريق وتغلبهم وتردد الشعارات بكل قوة وتضيف إلى المسيرة حيوية ونشاط
كبيرين وهي من أكثر النساء مشاركة في السير فبقة النساء كن يركبن السيارات
المرافقة للمسيرة أكثر منها .
عند غروب الشمس كنا على بعد بضعة كيلوا مترات عن مدينة
النجد الأحمر وهي تابعة لمديرية السياني وعلى نقيلها تقع وكان التعب والإرهاق
والبرد قد أخذ منا مأخذه وقد كنت تضررت كثيرا من برد الغروب بسبب عدم ارتدائي
ملابس ثقيلة مما جعلني أشعر في ألم في منطقة الكلى انتهى هذا الألم بعدما عدت
وارتديت الفنيلة الصوف التي أحضرتها معي تحسبا لمثل هكذا ظروف .
بعد وصولنا إلى منطقة النجد الأحمر هناك من تقدم والبقية
تأخروا بغرض أن تتجمع المسيرة ويلحق بالمسيرة من تأخر عنها في الطريق ومن ثم
واصلنا السير بعد ما انتهت صلاة العشاء التي لم نصلها وواصلنا السير إلى منطقة
شبام التي توجد فيه نقطة عسكرية يتواجد فيها عناصر الأمن المركزي والحرس الجمهوري
والمحسوبين على نظام العائلة حسب توصيف الثوار والجيش والوطني حسب توصيف العائلة
الحاكمة .
في شيام كان هناك الكثير من أبناء إب ومن المشاركين في
اعتصام إب قد وصلوا هناك لاستقبال المسيرة ولأننا تأخرنا فإنهم كانوا قد رافقوا من
تقدم من المشاركين في المسيرة ونحن كنا في الوسط تجاوزنا النقطة دون أي إشكالات
تُذكر غير الظلام الدامس الذي كنا نتوقع أن يختفي بمجرد وصولنا منطقة شبام بسبب
تواجد إضاءة الطريق ولكن الظلام استمر حتى على مدخل إب وداخل المدينة التي كانت
مطفئة بشكل تام .
في إب وجدنا استقبالا حارا ومهيبا وبالشموع ووسائل أخرى
للإضاءة غير المتعارف عليها مما أسس لمسيرة مليونية باتجاه المعتصم الذي كان مقررا
المبيت فيه سميت هذه المسيرة من قبل الكثير بمسيرة الشموع .
بالشموع وبحرق
الإطارات وباستخدمات غازات وسوائل قابلة للاشتعال تم إضاءة خط سير مسيرة الحياة
المليونية لقد شارك أبناء إب بكثافة لم ألحضها من قبل بالرغم من مشاركتي في معظم
المسيرات التي حدثت في إب من قبل بحيث أن الجميع لم يستطع تحريك قدميه بحرية لكي
لا يصطدم بأقدام أخرى تشارك في هذه المسيرة حتى أن الوقت الذي استغرقناه في الوصول
إلى الساحة أطول مما تعودت أن استغرقه للوصول في مسيرات أخرى وخلال هذه المسيرة لم
تتوقف الألعاب النارية التي أطلقها أبناء إب المحتفلون بوصول المسيرة عن إضاءة
سماء إب .
ونجحت المسيرة بالرغم من العوائق المتمثلة في إطفاء
الكهرباء في تحقيق أهدافها وجمع أكبر حاشد شهدته المحافظة خلال هذه الثورة
وباستخدام أدوات وإن لم يعجبني استخدامها لما لها من أضرار صحية ومنها حرق
الإطارات ولكنها الضرورة .
عند العاشرة ليلا بدأ الشباب وبكثافة يدخلون ساحة
الاعتصام وكانت الألوية لنساء المشاركات في المسيرة والغرض من الدخول إلى الساحة
تناول طعام العشاء الذي أعده أبناء إب لاستقبال المشاركين في المسيرة ومن أجل
المبيت والراحة حتى الصباح ومن ثم مواصلة المسيرة نحو هدفها الرئيسي صنعاء العاصمة
وكان العشاء مكونا من الفاصوليا والخبز وتناولنا العشاء مع المشاركين في المسيرة
وهنا كنت أنا وأصحابي بين خيارين إما أن نبقى في المعتصم أو نذهب إلى منزل أحد
معارفنا ونبيت حتى الصباح ونعود في الصباح إلى المعتصم ومن هناك نواصل المسيرة مع
المشاركين فيها وكنت أنا متحمسا لهذا الرأي بحيث يتاح لنا في بيت صديقنا استخدام
الحمام والوضوء والصلاة وأجواء أكثر ملائمة للراحة من بقائنا داخل الساحة وبالفعل
تم الاتفاق على هذا الرأي وانطلقنا باتجاه بيت صديقنا بعد أن اتصلنا به وأخبرنا
أنه في انتظارنا نمشي الهوينا وكأن أقدامنا من ثقلها صخور ووصلنا بعد أن ركبنا
حافلة بعد أن كنا قد قطعنا مسافة لا بأس بها من الطريق بسبب عدم توفر حافلات نقل
بسبب تأخر الوقت في محافظة كأب تنام قبل العاشرة كما عهدتها من قبل .
قضينا ليلتنا عن صديقنا سعد وفي الصباح كنت أول
المستيقظين وكان وضاح أخرنا تناولنا طعام الفطور مع صديقنا صاحب المنزل سعد وأخوه
محمد ورفيقهما بلال وودعناهم وسرنا باتجاه الساحة التي ستنطلق منها المسيرة وكان
هلال قد بدأ يثبط الهمم بدواعي عديدة منها التعب والإرهاق الذي أصابنا وداعي عدم
توفر المادة وقلتها معنا وبالفعل فقد كانت المادة شحيحة معنا بحيث أننا لا نملك من
المال ما يكفي لاستئجار وسيلة نقل للعودة إلى قريتنا بعد أن نصل مع المسيرة إلى
صنعاء وكان وضاح يميل شيئا فشيئا إلى رأي هلال بأن نكتفي بمشاركتنا للمسيرة بالمدى
الذي وصلنا إليه ونعود إلى قريتنا وكان ماجد صاحب الرأي المخالف والأكثر حماسا
وإصرارا للمواصلة رغم ما بدا لنا من معوقات ومثبطات وكنت أنا في الوسط وإن ملت
قليلا لرأي هلال في البداية ثم فجأة انقلبت وأيدت
رأي ماجد بقوة رغم حالتنا المنهكة والتعب والإرهاق الذي
تمكنا منا بقوة وتراجع وضاح وضم رأيه إلى رأي ماجد ورأي واستجاب هلال لرغبتنا في
المواصلة بتحفظ وانطلقنا
وراء المسيرة بعدما تأخرنا عنها ونحن نناقش قرار مواصلة
المسيرة أو التراجع عنها وحاورنا جاهدين اللحاق بها ولكن هلال عاد وتراجع هذه
المرة نهائيا عن المشاركة محاولا إقناعنا بصواب رأيه وبالعودة معه إلا أننا رفضنا
وأعطيناه الحرية في المشاركة أو العودة بل أن ماجد شجعه على العودة وعندما سألت
ماجد عن سبب تشجيعه لهلال على العودة أخبرني أن هلال سيعكر علينا أجواء المسيرة
ومن مصلحتنا ومصلحته عودته كون أن ماجد خبير بهلال أكثر منا وبالفعل كان كلاما
ماجد وموقفه صائبا .
بعدما لاحظنا أننا نبعد عن المسيرة مسافة نصف ساعة قررنا
أن نركب حافلة حتى نلحق بالمسيرة وخلال بضع دقائق أصبحنا داخل المسيرة ترجلنا من
الحافلة وعاد إلينا الحماس من جديد وانطلقنا باتجاه صنعاء .
سريعا توسطنا المسيرة التي تضاعفت على ما كنت عليه
بالأمس وفي الوقت نفسه كان هناك جزء من المسيرة على الطريق الدائري التقينا بها
عند نهاية بداية الدائري الشمالي للمحافظة فتكونت مسيرة عملاقة أبناء إب المنظمين
لها أصبحوا أغلبية فيها وفي الوقت ذاته كان يتوافد وينظم إلى المسيرة الكثير من
أبناء المناطق التي تمر من أمامها المسيرة .
في المسيرة كان هناك من يقرعون طاساتهم وطبولهم بكفاءة
وقدرة علية وهذه الأنغام الشعبية أضفت إلى المسيرة جوا احتفاليا مهيبا رفع من المعنويات مما جعل الشباب يتسابق
للاشتراك في الرقصات التي تقام على هذه الأنغام
الموسيقية الشعبية والتي تشتهر بها اليمن على مستوى العالم .
على طول الطريق وجدنا الحب والترحيب والحماية وعلى
الطريق أيضا شاهدنا سيارة أحد شيوخ المنطقة الذي اغتالته نقطة عسكرية تابعة للحرس
كانت موجودة عند محطة تعبئة الوقود قبل أن يتم سحب هذه النقطة من تلك المنطقة بسبب
الحادث الذي تعرض له الشيخ بسبب تأيده للثورة السلمية طبعا هذه الرواية استنتجتها
من خلال مطالعتي للأخبار قبل فترة وما بقي من آثار للحادثة وقد أكون مخطئا أو على
صواب في ما أشرت إليه .
ترحمنا على الذين قضوا داخل السيارة وواصلنا السير حتى
وصلنا السير حتى وصلنا نقطة تابعة للحرس ووجدنا الطقم المسلح التابع للحرس قد
انسحب منها عشرات الأمتار موجها سلاحها باتجاه المسيرة وكأنه يوجه سلاحه باتجاه
عدو والخوف واضح من المشاركين في المسيرة وهذا يدل على سوء توجيه من قبل قيادات
الحرس لأفرادهم وتحريضهم ضد الشباب والثورة الشعبية السلمية .
في هذه النقطة العسكرية توجد صورة عملاقة لعلي صالح
المعروف عند الثوار بعفاش فما كان من المشاركين في المسيرة إلا أن انهالوا عليها
رجما بالأحذية من كل جهة .
من تجاوز النقطة العسكرية وجد نفسه مجبرا على التوقف
لتناول طعام الإفطار الذي أعده أبناء المنطقة التي تتواجد ضمنها النقطة العسكرية
وقد طلب منا أنباء منطقة المخادر تناول الطعام تحت أي مسمى فمن كان قد تناول طعام
الفطور طلب منها تناول الطعام على أنه طعام الغداء ومن لم يتناول طعام الفطور طلب
منه أن يتناول طعام الفطور .
بعد أن تناولنا ما تيسر من الطعام شكرنا أبناء المخادر
على كرم الضيافة وواصلنا المسيرة التي من أهم أعمدتها وما ميزها ذلك الشيخ الكبير
في السن ذو اللحية البيضاء الذي جاء من تعز مع المسيرة رافعا عصاه في يده الشمال
وباليمنى رافعا كتاب الله ولم يزل على هذا الحال كلما شاهدته .
عند قرابة الواحدة وصلنا منطقة المخادر بالتحديد بعدما
كنا قد تجاوزنا السحول ومفرق حبيش والدليل وتقفنا هناك حيث قام البعض بإعداد وجبة
غداء مكونة من الأرز انتظرها البعض والبعض الأخر ذهب إلى المسجد للصلاة أما أنا
ورفاقي فقد تركنا المسيرة وقررنا أن نتقدم لعلنا نجد مسجدا أخر لا ازدحام فيه
وبالفعل ركبنا إحدى الحافلات المرافقة للمسيرة والتي كانت تقوم بإيصال من يريد أن
يتقدم أو من يتأخر عن المسيرة وعند أول
قرية من نقيل سمارة
وجدنا مسجدا مغلقا لا ماء فيه طلبنا ماء من أحد أطفال تلك القرية لوضاح أما
أنا وماجد فقد كان لدينا ماء حصلنا عليه في الطريق .
توضئنا وصلينا الظهر والعصر وجلسنا مع أطفال القرية حيث
لا يبدوا أن فيها كبار واشترينا من دكان تلك القرية بسكويت وعصير مانجا واشترى له
وضاح بسكويت وحليب وأحضرنا بعض الكعك الذي كان لا يزال معنا وتناولنا ذلك على أنه
وجبة غداء واسترحنا قليلا بعد ذلك فكم كنا بحاجة إلى تلك الراحة خصوصا وضاح الذي
طالما رفع ماجد معنوياته أثناء الرحلة ليعينه على الصمود والاستمرار ومواصلة
الرحلة .
لن أدعى كذبا بأننا صعدنا نقيل سمارة مشيا على الأقدام
وإن كنا مشينا بضع مئات من الأمتار على هذا النقيل الشاهق الارتفاع والطويل
المسافة وللحقيقة لم يكن بوسعنا ونحن بتلك الحالة أن نسير حتى على أرض مستوية فقد
كنا مصابين بالشد العضلي لذلك ركبنا سيارة كنا عاجزين حتى عن الجلوس عليها بشكل
طبيعي وارتمينا عليها في وضعية ما بين الرقاد والجلوس وإن كنا أقرب إلى الرقاد ولم
نكن نحن الوحيدون الذين فعلنا هذا الفعل بل هناك من ركب من إب وحتى أبعد من
المسافة التي ركبنا إليها وقد شاهدناهم .
في طريق نقيل سمارة ونحن راكبون على سيارة هايلوكس في
صندوقها وجدنا أهالي المنطقة يستعدون لاستقبال المسيرة الراجلة ورأينا أبناء يريم
قد توافدوا إلى مشارف نقيل سمارة من اتجاه مدينتهم يريم لقد رأيناهم يحيون من تقدم
من المشاركين في المسيرة ويحيونهم ويستقبلونهم بكل حب وترحاب وتقدير وكان من
يلاحظنا يسألنا إلى أين وصلت المسيرة كنا نقدر لهم المكان الذي أصبحت فيه تقديرا
والمهم أنها على النقيل عند نهاية النقيل من الأعلى وجدنا مجموعة من المستقبلين
وقد اعتلوا أحد أبراج كهرباء الضغط العالي ومعهم علما كانوا لا يزالون يحاولون
تعليقه على البرج وإن حدث منهم خطأ ووضعوا اللون الأسود فوق لكنهم أصلحوا الأمر
بعدما علق ماجد على خطأهم وأخبر أحد المتواجدين من الجماعة عند أسفل البرج
الكهربائي .
وما أن تجاوزنا النقيل حتى بدأنا نطرح الآراء هل ننزل
هنا عند نهاية النقيل وننتظر المسيرة أما نواصل إلى منطقة كتاب التي تسبق محطة
الراحة الثانية يريم أم نواصل إلى يريم وهناك رأي رابع هل نواصل إلى صنعاء ونكون
من ظمن المستقبلين للمسيرة عندما تصل صنعاء .
التعب والإرهاق كان يدفعنا إلى الرأي الرابع والعقل
والمنطق يدفعنا إلى الرأي الثالث والعاطفة تدفعنا إلى الرأي الأول وعاطفة مع بعض
التعب يدفعنا إلى الرأي الثاني وبالأخير انتصر الرأي الثالث الذي وافقنا عليه
بالأغلبية وهو أن نتوقف عند مدينة يريم وننتظر المسيرة هناك بحيث نستريح ونستعد
لليوم التالي وما بعد يريم .
يريم كرم حاتمي واحتفاء
خيالي
ما إن نزلنا من السيارة في يريم وبدأنا السير حتى وجدنا
أحد أشبال يريم فسألنا هل أنتم من تعز
نعم
أين هم البقية
نحن تقدمنا عليهم
وهم لا يزالون يصعدون نقيل سماره
إذا اتبعوني إلى مقر التجمع اليمني للإصلاح لتستريحوا
هناك وتنتظروا بقية المشاركين في المسيرة
سررنا لهذا الأمر فمقر نستريح فيه هو ما كنا نحتاجه
بالضبط وهنا طلب وضاح وماجد من هذا الشبل أن يرشدهم إلى سوق القات قبل أن يرشدهم
إلى مقر التجمع اليمني للإصلاح وبالفعل قادنا الطفل إلى سوق القات وانتظرنا حتى
اشترى ماجد ووضاح قات ثم أخذنا إلى المقر الذي وجدنا فيه الكثير من أبناء يريم
الذين لم يقصروا في الترحيب بنا وتقديمنا على أنفسهم داخل المجلس وفي إعطائنا
البطانيات للتخلص من البرد الشديد الذي تشتهر به يريم خصوصا في هذه الأيام من
السنة وبينما نحن جالسون داخل المقر وقد غفلنا عن هذا الشبل إذا به يعود مرة ثانية
لكنه هذه المرة عاد بعدد كبير أو بمجموعة كبيرة من المشاركين في المسيرة والذين قد
وصلوا إلى يريم قبلنا بساعات لكن الحظ لم يحالفهم مثلنا ويعثر عليهم ذلك الشبل
فلقد عانوا ولم يعرفوا إلى اين يتوجهوا وبقوا في الشارع حتى هذه اللحظة التي وجدهم
فيها هذا الشبل وتلقينا لوما من أبناء يريم لم يزل عنا إلا بعد أن أخبرناهم أننا
لم نعرف بتواجدهم لأننا نصل على شكل جماعات وأفراد ودون تنسيق كما هو حال المسيرة
بأكملها وإلا لأخبرناهم عنهم .
بعد تلك الجماعة وصل أفراد أخرون كان من ضمنهم حازم
الصهباني أبن القرية المجاورة لنا والذي انطلقنا معا قبل يوم من منطقة المرفدين
للمشاركة في هذه المسيرة وسألناه عن الشخص الخامس عبد الجليل الزاهري الذي أخبرنا
أنه قد استطاع أن يقنعه بالعودة مع إحدى الشاحنات التي تصادف وجودها في يريم والتي
هي من قرية الحميرا خصوصا أن عبد الجليل كان قد تألم الليلة الماضية كثيرا بسبب
البرد الذي أثر كثيرا على كليتيه حيث أنه يعاني منهما من قبل .
حازم شاب نشيط جدا ويعرف دكتورة جامعية مشاركة في
المسيرة وكان جل اهتمامه أن ينسق مع أبناء يريم لتأمين سكن مناسب للنساء قبل أ،
يصلن مع المسيرة وذلك ما تم له بالفعل .
ونحن جالسون في داخل المقرر تكرر علينا سؤال واحد أين هي
المسيرة الآن وتكررت الإجابة من قبلنا في نقيل سمارة فالنقيل طويل جدا ويحتاج لبضع
ساعات لتجاوزه ومهما كررنا الإجابة فلن يلومنا أحد فالإجابة دائما صحيحة .
عندما تأخر الوقت ومن خلال تواصل أبناء سماره مع
مندوبيهم الذين التقوا بالمسيرة عرفوا أن
الكثير من المشاركين قد أعياهم التعب ولم يعودوا قادرين على التحمل والمواصلة دون
معونة لذلك حشدوا الكثير من الشاحنات وأرسلوها لتحمل الذين لم يعد بمقدورهم
المواصلة خصوصا الذين أكثروا من المشي ورفضوا مساعدة السيارات والحافلات المرافقة
للمسيرة إيمانا منهم بأهمية الوصول إلى صنعاء مشيا على الأقدام مائة في المائة كما
كنا نحن أيضا نريد ولكنه الاضطرار إلى الركوب وليس الحب فيه ما دفعنا لفعله .
قدم لنا أبناء يريم العشاء مكونا من الروتي والشاي
والفول وبعد ذلك تركوا لنا المقر وذهبوا لاستقبال المسيرة .
عند الحادية عشر تقريبا قبلها بقليل أضاءت سماء مدينة
يريم الألعاب النارية فرحا بوصول المسيرة إلى داخل مدينتهم لقد شاهدنا هذا
الاحتفال والاستقبال من خلال نوافذ المقر الذي تواجدنا فيه لقد كان احتفالا بهيج لا يشبه إلا احتفال
العالم بتوديع عام واستقبال عام جديد ومن ثم قام أبناء يريم بتوزيع المشاركين في
المسيرة على مقرات الإصلاح ودار القران الكريم والعلوم الشرعية المبنى الحديث
والعملاق والرائع الذي بني على نفقة دولة قطر وتم استئجار صالة أفراح وتم توقير كل
مستلزمات المبيت من بطانيات من خلال تبرعات من أبناء مديرية يريم فشكر لهم على
حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة .
في الصباح كنت أول المستيقظين ولحق بي ماجد واستيقظ
بعدنا وضاح بصعوبة بالغة ولأن ماجد ووضاح تأخروا في الاستيقاظ تركتهم وخرجت إلى
خارج المقر طمعا في استقبال أول أشعة الشمس وبقيت مع أشعة الشمس قرابة الربع ساعة
قبل أن يلحق بي ماجد ووضاح اللذان كنت أنتظرهما
وانطلقنا مع مجموعة أخرى استيقظت معنا ومجموعة أخرى باتت ليلتها عند رفيق
لهم كما أخبرونا باتجاه دار القرآن كما طلب منا ذلك البناء الكبير والفخم لا أبالغ
إن قلت أنني لم أجد في يريم مبنى آخر ينافسه على صدارة أكثر المباني كبرا وفخامة .
للعلم ومن خلال اللوحات الخاصة بالمبنى والمكتوب عليها
بعض المعلومات العامة فإن المبنى هو هدية من دولة قطر من قطر الخيرية وهو دار
لتعليم القران الكريم والحديث وفيه سكن للطلاب وبقية المستلزمات الضرورية لأي دار
.
عندما وصلنا ساحة الدار وجدنا الكثير من المشاركين في
المسيرة قد سبقونا إلى هناك والبقية
يتوافدون بالإضافة إلى الأشخاص الذين قضوا ليلتهم داخل الدار .
وهناك تم توزيع وجبة الفطور في تنظيم رائع وكانت الوجبة
عبارة عن كعك وشاي وفول وبنت الصحن وخبز وعند خروجنا من ساحة الدار كان هناك من
يقوم بتوزيع طبق حلو وكيك لكل مشارك ولأني كنت قد تناولت وجبة الفطور فلم أستطع أن
أكل هذا الطبق الشهي فاحتفظت به معي لعلي أحتاجه خلال الطريق أو أجد من هو بحاجة
إليه .
من داخل ساحة الدار انطلقنا إلى شوارع يريم وانظم إلينا
الكثير من أبناء يريم وما جاورها وحتى نساء يريم احتشدت على طول الشارع الرئيسي
لمدينة يريم من أجل تحية وتوديع المسيرة وخرج الكثير من أبناء يريم معنا لغرض الحماية
على طول الطريق حتى نغادر منطقة يريم .
تجاوزنا أخر جزء من مدينة يريم ويتمثل ذلك الجزء
بالمعسكر الخاص بالحرس الجمهوري الذي استقبلنا بالاستعداد التام خلف المتاريس
وكأننا قوة مسلحة أتينا لاحتلال المعسكر لا مسيرة سلمية تمر أمام المعسكر لقد
استفزنا هذا الأمر كثيرا ومع ذلك لم نعره اهتماما .
أمام هذا المعسكر شعرت بألم في مشط قدم اليمنى واشتد
الألم سريعا بقد خاطبت ماجد ووضاح يبدوا أن هناك إصابة خطيرة لا تبتعدوا عني فقد
أضطر في أي لحظة للتوقف عن المسير ولولا العزيمة والإصرار لما واصلت السير في هذا
اليوم .
بعد أن غادرنا يريم وعادت الحماية المسلحة من أبناء يريم
وفي أولى المناطق الخاضعة لذمار وجهنا أو اعتداء على المسيرة حيث تعرضت مؤخرة
المسيرة لاعتداء من قبل بلاطجة قيل لنا أنهم من أصهار ابن الرئيس وقد حضر مسلحون
من أبناء قبائل ذمار تعاملوا معهم وأرغموهم على الانسحاب وحدثت خلال هذا الاعتداء
بعض الإصابات التي تم إسعافها إلى مستشفيات ذمار .
ذمار الحقيقة ما ترى لا ما
تسمع
تجاوزنا المنطقة تلو الأخرى ابتداء من ذمار القرن فبيت
الكوماني ومن هناك استقبلنا أبناء ذمار بكل حفاوة وترحاب مثلهم مثل كل المناطق
التي مرت من خلالها المسيرة .
لقد أتحفتنا ذمار باستقبالها فما أروع الأناشيد والأغاني
التي كانت تصدح بها الإذاعات المحمولة التي حضر بها أبناء ذمار وما أروع أغنية
الفنان أيوب طارش يا مرحبا بالضيف ويا لكرم أهل ذمار لقد بدأوا يوزعون المياه على
المشاركين في المسيرة ويوزعون الوجبات الخفيفة والفواكه ومن اكثر من طرف لقد لمسنا
سعادة غامرة بوصولنا إليهم وخروجهم لاستقبالنا ولمشاركتنا ولو جزء بسيطا من
المسيرة المباركة .
لقد لمسنا سعادة الأطفال والشيوخ والشباب وسائقي
السيارات والحافلات والشاحنات التي تمر على الطريق في نفي الاتجاه أو في عكس
الاتجاه رغم المعاناة التي يتكبدونها بسبب الازدحام وانقطاع الطريق لدقائق طويلة
والتي كانت تضطرهم للتوقف على جانب الطريق ولأكثر من مره .
الطريق من يريم إلى مدينة ذمار طويل كن أهل ذمار لم
يشعرونا بطوله تمر الساعة تلو الساعة حتى لم ندري إلا ونحن في بداية مدينة ذمار
بعد أذان الظهر تقريبا وهناك أخبرنا أبناء ذمار أنهم قد جهزوا وجبة الغداء داخل
الساحة التي احتجنا لساعتان تقريبا حتى نصل إليها حيث وصلنا إليها عند أذان العصر
وكان وصولنا على هيئة دفع متتالية ومن يصل يتناول طعامه وينصرف وهكذا ولا تزال
تنصرف دفعة وتأتي أخرى مما سبب إرباكا للمضيفين وحرجا شديدا وبعض السخط من بعض
المشاركين في المسيرة .
لقد التمست العذر لمضيفين ولم ألاحظ أي تقصير بل السبب
يعود للأعداد الكبير التي تشارك في المسيرة والتي تحتاج لإمكانيات دول لتعامل معها
لا أفراد مهما بذلوا من جهد فشكرا لهم على الجهد الذي بذلوه وعلى حفاوة الاستقبال
وكرم الضيافة .
بالنسبة لنا أنا ووضاح وماجد كنا من الدفعة الثانية
وصلنا وقد أكلت الدفعة الأولى الطعام وخصوصا اللحم انا اكتفيت بالأرز أما ماجد
فكان مصرا على أن يبحث عن ما يسمى الطبيخ وفي حال عدم توفره فإنه سيذهب إلى الخارج
إلى أحد المطاعم لتناول طبيخ أو زبادي لأن الأرز لا يكفي حتى يخزن الشخص بعده أما
وضاح فلم يكن راضيا على الإطلاق عن وجبة الأرز وتركنا غاضبا ولحق به ماجد بعدما
يأس من الحصول على ما يريده أما أنا وبينما كنت أبحث عن ماجد ووضاح دعاني أحد
المكلفين بضيافتنا وقدم لي مع مجموعة أخرى وجبة طعام تحتوي على كل ما كان يرغب به
ماجد ووضاح من لحوم وطبيخ وأرز وبعد ذلك انصرفت للصلاة عند الرابعة تقريبا وبعدها
ذهبت للبحث عن المفقودين ماجد ووضاح وعرفت أن وضاح كان أكثر حضا من ماجد فقد حصل
على الطعام الذي كان يريده قبل أن يغادر الساحة باتجاه المطعم أما ماجد فقد خرج
إلى المطعم ليتناول الطعام الذي يرتجيه ليعود غاضبا بعد أن أفق مالا أكثر مما كان
يستحقه الطعام الذي تناوله .
للأمانة لقد بذل أبناء ذمار جهدا جبارا في ضيافتنا
وكانوا يضموننا على عدة مجموعات حتى يطمأنوا أننا قد أصبحنا في غنى عن الطعام
وكانوا يبذلون جهودا كبيرة حتى يصلوا اللحم إلى الجميع .
عندما كنت في الساحة أتابع الاحتفال الذي أقامه شباب
الثورة في ذمار مع المشاركين في المسيرة من أبناء تعز وجدت وضاح وقد اشترى لنا ماء
ومعه القات الخاص بنا فسألني عن ماجد فأخبرته بأني أبحث عنه فوضع الماء والقات معي
وبدأ يبحث عن ماجد وعندما
لم يجده اتصلنا به ووصفنا له المكان الذي نحن فيه وبعد
وقت ليس بالقصير وصل إلينا ماجد وبقينا نشاهد الحفل ونتناول القات الذي أحضره لنا
أحد معارف أحد أصدقائنا داخل القرية بعدما اتصل به وأخبره بأن ينتظرنا مع المسيرة
.
بدأت التخرينة عند قرب المغرب على عكس ما تعود ماجد
ووضاح فقد كانت تخزينتهم تبدأ قبل العصر وعند أذا ن المغرب تخلصنا من القات وصلينا
المغرب والعشاء جمعا ثم بحثنا عن مكان وخيمة نكمل فيه تناول القات وتكون لنا سكنا
إلى الصباح وبالفعل كنا نلاقي ترحيبا من كل من مررنا بهم ولكننا كنا حريصين على
الوصول إلى خيمة يتوفر فيها أماكن شاغرة لا تحرج أصحابها وتجعلهم يغادرونها لأجلنا
.
وبالفعل وجدنا الخيمة المناسبة وبدأنا بشحن بطاريات
الهواتف التي كانت بعضها قد نفدت والبعض الأخر على وشك النفاد
وتناولنا القات وبعد ذلك حضر إلى الخيم من يوزع على
المشاركين في العشاء وجبة العشاء المكونة من العصير والبسكويت وتعرفنا على من كان
في الخيمة من أبناء ذمار وتبادلنا معه أحاديث الثورة والوطن وعند العاشرة أو قبلها
بقليل حضر عدد من أبناء المعافر إلى الساحة من أجل أن ينظموا إلى المسيرة وقد
استقبلت خيمتنا ما يقارب العشرة منهم بعدما أن تركها أصحابها وغادروا إلى الخارج
ليصبحوا إما حراسا لنا متحملين برد ذمار الشهير ومنهم من عادوا لبيوتهم خصوصا القريبون من ساحة الاعتصام .
بالنسبة للخيمة التي أقمنا بداخلنا هي مؤهلة لاستيعاب ما
بين خمسة وستة أشخاص ولكن لكثافة المشاركين في المسيرة وخصوصا بعد وصول أبناء
المعافر الذين لحقوا بالمسيرة وحضورهم إلى خيمتنا أصبح داخل الخيمة الصغيرة قرابة
البضع عشر حتى لقد أصبحنا من الزحام لا نستطيع أن نغير اتجاه أجسامنا أو نبدل
اتجاه نومنا من جانبا إلى أخر .
في الصباح قمنا ورتبنا البطانيات التي استخدمناها بعد أن
صلينا الفجر وتجمعنا في الساحة وخرجنا إلى الشارع وفي إحدى البوفيات تناولنا طعام
الفطور كعكا وقهوة وتناول الآخرون فاصوليا وخبزا أحضره أبناء ذمار للمشاركين في
المسيرة وبعد ذلك اتجهنا إلى الشارع العام
والرئيسي وانطلقنا في ساعات الصباح الأولى باتجاه صنعاء التي طال إليها سفرنا وكان
قد تجمع على جانبي الشارع أعداد كبيرة من الرجال والنساء يحيون المشاركين في
المسيرة ويرددون معهم الشعارات وانظم الكثير من أبناء ذمار إلى المسيرة التي أصبحت
بهم أكبر بكثير من الأمس وعلى الشارع العام مررنا من أمام قوة من الأمن المركزي
قام بعضها بمرافقتنا بغرض الحماية للمسيرة كما قيل لنا س ومررنا بمعسكر الحرس
الجمهوري ولأن مواقف الحرس والأمن المركزي في ذمار مواقف ودودة من خلال تعاملهم مع
المسيرة ومن خلال نظراتهم لها وعدم توجيه أسلحتهم باتجاه المشاركين فيها فقد رد
المشاركون هذا التعامل الراقي بتعامل أرقى وحيوا الحرس والأمن المركزي .
اليوم هو يوم الجمعة والجميع يأمل بأن يصل صنعاء اليوم
وما أجمل ا، نصل صنعاء اليوم لكن بعدما رأينا أن الوقت يمر بسرعة ونحن لم ننجز
الكثير أيقنا أنه من المستحيل أن نصل صنعاء في هذا اليوم .
تجاوزنا جهرا فرصابة وفيها صلينا الظهر والعصر جماعة
بعدما تعذر علينا صلاة الجمعة فقد كان الأمام قد انتهى منها ومن محاسن ذمار توفر
المياه على جانب الطريق بحيث كان
المشاركون في المسيرة يخرجون منها ويغتسلون ويتوضئون
ويصلون يعودون إلى المسيرة وهكذا فعل أغلب المشاركين في المسيرة .
على الطريق كانت هناك حماية للمسيرة من أبناء القبائل
يشارك فيها شيوخها ووجهائها فكل قبيلة كانت تستلم مهمة حماية المسيرة من القبائل
التي تسبقهم وكل قبيلة تحملت على كاهلها حماية المسيرة عندما تمر في منطقتها .
الجدير ذكره أننا لمسنا كرم وتواضع وطيب أخلاق أبناء
المناطق التي مررنا بها ولا فرق في هذه الأخلاق الطيبة والعظيمة بين مشائخ وأفراد
أبناء قبائل المناطق التي مررنا بها .
الطريق تطول وتطول لكن طولها ليس أطول ولا أكبر من
عزيمتنا على الوصول إلى صنعاء ومشقة الطريق ليست أقوى من إصرارنا على الاستمرار
ومن خانته قوته في الاستمرار في السير فهناك حافلات تقوم بحمله بالقدر الذي يريد
أو حتى وسط المسيرة أو مقدمتها والعض يتسلق السيارات التي تمر من وسط المسيرة
وينزل منها حيث يريد .
من عجائب هذه المسيرة أنك تكون في مقدمتها وما هي إلا
دقائق وتصبح في مؤخرتها وهكذا مقدمتها فمؤخرتها حتى بلغنا وجهتها النهائية صنعاء
.
تمر الساعات
وتمر الأيام فلا نكل ولا نمل بل نزيد إصرارا وبذلا للجهد فهناك قوة خفية تدفعنا
لذلك هي مساندة الله وعونه لنا .
ونحن على الطريق إلى صنعاء وعندما كان النهار في ربعه
الثالث عند الواحة والنصف أو الثانية بعد
الظهر وصلنا إلى مدينة معبر أخر مدن محافظة ذمار .
في معبر توقفنا للغداء الذي أعده لنا بعض أبناء معبر وما
جاورها والذين بذلوا جهدا في توفير الطعام للجميع من المشاركين في المسيرة ولمن
استقبلها من أبناء المنطقة لقد كانت الأعداد أكبر مما كانت عليها في ذمار حتى أنني
وجدت من يصارع على قطعة خبز أو على قليل من الطبيخ وهذا شيء مؤسف وما كان ينبغي أن
يحدث وترددت كثيرا في ذكره ولكنها الحقيقة ومن الإنصاف أن نذكر السلبيات كما أننا
نذكر الإيجابيات .
في معبر تناولنا الطعام مع أبنائها ومع مسلحي الحوثي
الذين رافقوا المسيرة بأسلحتهم مثلهم مثل أبناء القبائل الذين رافقوا المسير
لحمايتها لقد سمعت أحد الشباب بعدما رأى شعار الصرخة على أسلحة وجنابي وهواتف
المسلحين هل أنتم حوثيين فأجابوه نعم ونفتخر .
بعدما توقفنا لتناول طعام الغداء وتأخرنا بسبب الازدحام
وعدم توفره بسهولة بسبب غياب التنظيم تبين لنا أننا تأخرنا أكثر من اللازم وأن أول
المسيرة قد أصبحت بعيدة عنا ببضعة كيلوا مترات فكان لابد لنا أن نركب إحدى
الشاحنات نحن ومجموعة كبيرة من المتأخرين حتى نلحق بأول المسيرة وبالفعل لحقنا
بالمسيرة قبل أن تبلغ نقيل يسلح وأصبحنا من جديد في المقدمة وهناك توقفت المسيرة
داخل الخط الرئيسي بغرض إتاحة فرصة لتتجمع المسيرة بأكملها وفي هذه اللحظة بدا
للسطح رأيان مختلفان رأي يريد منا التوقف هنا والمبيت حتى الغد ورأي أخر يريد
مواصلة السير إلى صنعاء وكان رأي الأغلبية هو أن نواصل السير وانطلقنا نصعد نقيل
يسلح عند الرابعة تقريبا .
مسيرة الحياة رعاية ربانية
وعزيمة قوية الباب الثاني
كان وضاح وماجد يسيران ببطء وشيء فشيء أصبحت المسيرة
تتقدم علينا حتى أصبحنا في وسطها تقريبا وهنا أدركت أنني لو بقيت مع ماجد ووضاح
فلا مفر من أن نصبح بعد قليل في مؤخرة المسيرة ولذلك أخذت لي صورا مع ماجد ووضاح من خلال هواتفنا
المحمولة وتركتهما وسرت بخطى متوسطة وبين
الحين والأخر كنت أتوقف لعلهم يلحقوا بي
ولعلي أراهما وكنت أستغل نهاية كل لفة وأحاول التحديق بمن خلفي مستفيدا من
زاوية الرؤية التي يتيحها ارتفاعي عن من تحتي ولكن دون جدوى فقد كنت قد ابتعدت
عنهم قرابة العشر دقائق حتى أنني أصبحت من ضمن المئات الأولى التي كانت سباقة في
الوصول إلى أعلى نقيل يسلح وكان ماجد ووضاح من المئات القليلة عند نهاية المسيرة
باتجاه الأسفل .
عند أعلى النقيل وجدنا قوة كبيرة من قوات مكافحة الشغب
التابعة للأمن المركزي معززة بسيارات مدرعة أمريكية الصنع لا أعرف بالضبط ماذا
تسمى هامفي أم همر وكذاك كانت هذه القوة معززة بسيارة رش مياه وقد كونت هذه القوة
حاجزا على عرض الطريق ومكونة من عدة صفوف تقوم بتفتيش دقيق لكل المشاركين في
المسيرة بحيث يتم تفتيش كل شخص على حده بحيث من المستحيل أن يمر من خلال هذه القوة
أي قطعة سلاح وهذه حقيقة تدحض أي ادعاء أخر بحمل أفراد مشاركين في المسيرة لأي نوع
من أنواع السلاح .
بعد أن تجاوزنا هذا الحاجز بدأت الإذاعات المحمولة على
الشاحنات الصغيرة والحافلات والسيارات المرافقة للمسيرة تخبرنا أننا سنتوقف في
منطقة خدار للصلاة والراحة والنوم حتى الصباح ولم يرضي هذا الإعلان الكثير من
المشاركين الذين أكدوا أنهم لن يلتفتوا لهذه الإعلانات وأنهم لن يتوقفوا إلا في
صنعاء .
وكانت من ضمن النداءات التي وجهتها الإذاعات المحمولة أن
تتوقف المسيرة عند النقطة التابعة للحرس من أجل أن تتجمع المسيرة وأن لا يتعرض
منهم في المؤخرة لأذى من قوة مكافحة الشغب إن فكرت تلك القوة بأذية مؤخرة المسيرة
ومن أجل أن نصلي المغرب والعشاء لمن أراد ذلك ومن ثم الاتفاق على الخطوات القادمة
مع اللذين يرغبون في المواصلة ولا يرغبون في البقاء في خدار.
توقفت مع الكثيرين قبل نقطة الحرس الجمهوري وكان الكثير
قد توقفوا عندها وكانت الجموع متصلة من أمام النقطة وحتى المكان الذي كنت فيه
واعتليت صخرة على جانب الطريق أحلق من فوقها بنظري باتجاه الواصلين لعلي أرى ماجد
ووضاح لكنهم تأخروا كثيرا حتى لقد وصلت النساء قبلهم وامتلأت الطريق بالواصلين من
المشاركين في المسيرة ومن السيارات التي تستخدم الطريق وبعد ما يقارب الربع ساعة
من الانتظار وصل ماجد ووضاح وبدأ المشاركون في المسيرة بتأدية الصلاة التي لم نكن
قد تجهزنا لها بالوضوء .
خدار سامحك الله يا خدار
ومن جاورك ومن جاور جوارك
انتظرنا حتى أكمل المصلون صلاتهم وانطلقنا نحو خدار التي
قيل لنا أن أبناءها قد أعدوا لنا مدرسة كبيرة وأنشئوا خياما في ساحتها وأحضروا
بطانيات وجهزوا عشاء وأن خدار قد أصبحت جاهز لاستضافتنا .
بعد ما يقارب الربع ساعة وصلنا خدار ولم نرى ما يوحي بأن
شيء مما قيل لنا قد تم إنجازه فالقرية تعيش في ظلام دامس والمدرسة التي مررنا
بوارها مظلمة صغيرة لا أحد فيها حتى أننا حسبنا أنهم يتحدثون عن مدرسة في الطرف
الأخر من خدار ولذلك وصلنا السير وتجاوزنا خدار وظننا ا، القرية التي تجاوزنها
ليست خدار وربما تكون خدار بعدها ولذلك واصلنا السير حتى وجدنا لوحة تشير إلى أن
خدار هي القرية التي مررنا بها وهنا أدركنا أن هناك شيء ما وشعرنا بأننا ربما
خدعنا وشعرنا بأن هناك مؤامرة تستهدفنا وقررنا بكل حسن نية أن نواصل السير على
أقدامنا إلى صنعاء وكنا نأمل أن نصل صنعاء في منتصف الليل أي بعد خمس ساعات من
الآن وإن تأخرنا عن هذا الموعد قليلا فلا بأس في ذلك .
عندما عرف الطيبون من أبناء خدار أننا لم نتوقف كانوا
يرسلون سيارات تحاول جاهدة إقناعنا بالتوقف وعدم مواصلة السير والعودة معهم إلى
المدرسة ويخبرونا أنه كانت هناك بعض المشاكل مع بلاطجة تابعون للنظام وأنه قد تم
حل هذه المشكلة وأن المدرسة قد أصبحت جاهزة لاستقبالنا بعد أن تدخل الأمن المركزي
وأقنع البلاطجة بترك المدرسة والسماح للمشاركين في المسيرة بالمبيت داخلها وأن
الطعام قد تم توفيره وكنا نعود قليلا باتجاه خدار ونرى أناس يتجهون إلى صنعاء
فنتوقف ونتجه معهم وهكذا ظللنا عدة مرات وفي الأخير كان قرارنا الحاسم بالعودة إلى
المدرسة وأن نكون مع الجماعة مهما تكن النتائج .
خلال هذا الوقت هناك من أصر من الثوار على الاستمرار
بالسير نحو صنعاء ولا أعلم هل نجح أبناء خدار في إقناعهم بالعودة أم لا وهناك ثوار
آخرين ركبوا سيارات وانطلقوا باتجاه صنعاء على أمل أن يعودوا بالصباح لينظموا إلى
المسيرة قبل أن تصل وجهتها النهائية .
بعد أن جلسنا داخل الطريق الرئيسي وتشاورنا مع بعض
وقررنا العودة إلى خدار أخبرني ماجد بأنه سيكون سعيدا لو حصل على خمسة بالمائة من
الراحة التي حصل عليها في ذمار فقد كان متشائما نتيجة ما رآه من حال خدار وحال
مدرستها ومن الأعداد الكبيرة التي تشارك في المسيرة وكن وضاح قريبا من تشاءم ماجد
وكنت أكثرهم تفاؤلا وعلى طريق عودتنا إلى خدار التي كنا قد تجاوزناها ببضع كيلو
مترات تيممت وصليت على صخرة لا أدري أكنت متوجها إلى القبلة أم أنني ابتعد عنها
وأملنا في الله كبير بأن يتقبل هذه الصلاة .
وعدنا إلى مواصلة السير باتجاه خدار وعندما وصلنا وجدنا
جازم وشخص أخر حاولا معنا كثيرا من أجل أن نركب تكسي إلى صنعاء ونبيت في فندق وفي
الصباح نلاقي المسيرة وننظم إليها وللحقيقة لقد وقفت المادة عائقا أمام أن نوافق
على هذا الحل وهنا فشلت فكرة التكسي والفندق
وتركنا حازم وصديقه واتجهنا باتجاه تجمع لعدد من المشاركين وسبب هذا التجمع
هو وجود من يوزع خبزا وجبن على المشاركين حصنا على ثلاث قطع من الجبن ولم نكن
نمتلك من القوة ما تكفي للزحام على قطع الخبز .
وأمام بوابة المدرسة وجدنا من يتصارعون على الأرز
تركناهم واتجهنا باتجاه المدرسة التي كان الازدحام عند بوابتها كبيرا وما أن
أصبحنا في داخلها حتى تفاجئنا
أن ممرات الطلاب والدرج قد امتلأت على الأخر وأنه لا
توجد لا مخيمات ولا بطانيات ولا مشابه ذلك وأن سعيد الحظ من كان يملك بطانية وأن
الذين يملكون البطانيات قد التفوا بها وافترشوا الساحة والكل يسابق الأخر للحصول
على مكان شاغر داخل الساحة قبل أن يسبقه الآخرون .
كانت هناك غرفة مفتوحة وفيها إضاءة وقيل أنه تم تخصيصها
للنساء ورأيت أنا غرفة أخرى كان فيها بعض المحضوضين وقد رأيتهم يخرجون بطانيات من
التي احضروها معهم ويعطونها لبعض معارفهم الذين هم في حاجة لها .
بعض الثوار تسابقوا إلى الحفر المتبقية من أساس السور
والبعض قيل لنا أنهم حفروا لأنفسهم حفرا ليتجنبوا شدة البرد لكني لم أراهم فقد كان
الظلام شديدا وقد دخلنا المدرسة على ظلام وخرجنا منها في ظلام .
وكان بعض الثوار يتجمعون مع بعض لعلهم يستفيدون من حرارة
أجسامهم ومن أنفاسهم ويستطيعوا أن يقللوا من شدة وطأة البرد الذي لم يعرفوا له
مثيل من قبل .
البعض الأخر من الثوار قاموا يتسابقون بجمع القمامة من
أجل أن يحرقوها ويتدفئوا بنارها وكان همنا نحن الثلاثة أن نجد مكان نفترشه وننام
فيه فقد كنا نتوقع أن ما بنا من تعب وإرهاق كفيل بأن يجعلنا ننام وإن كنا داخل
ثلاجة وليس في خدار وكنا نطمع في أن نحصل على مكان نستطيع فيه النوم ولو لساعة ومن
بعدها نرى ما نحن فاعلون في هذا الليل الطويل .
لقد كان يوما طويلا مشينا فيه أكثر من أي يوما أخر وإن
ركبنا لبعض الوقت وقطعنا بعض المسافات راكبين ومع ذلك فإننا في هذا اليوم قد مشينا
أكثر من أي يوم سبق .
بعد بحث شاق وجدنا مكانا فاضيا من البشر ممتلئ بالأحجار
الصغيرة وبعض الزجاج طلب منا ماجد أن نسبقه قبل أن يأتي من يسبقنا إليه .
خدار ليلة ما أطولها
في ذلك المكان الذي اختاره لنا ماجد وقمنا بإزالة ما
أمكن من أحجار صغيرة ومن زجاج جلسنا فيها واستلقينا على ظهورنا وجوانبنا نفترش
الأرض ونلتحف السماء كما يقال ولم نخف لا من هوام الأرض ولا من زواحفها ومن شدة
البرد والإعياء تناسينا الأفاعي وسمومها
فنحن في مكان لا حياة فيه إلا نحن لقد تخيلنا أنه من الصعب أن تعيش مخلوقات
في مثل هكذا بيئة قاسية وتبادر إلى أذهاننا أننا أول من بات في هذا المكان وأخر من
يبيت فيه وهو على هذا الحال .
يبدوا أنني غفوة قليلا وما أيقضني من غفوتي صوت أحدهم
يقول انهضوا لتناول العشاء لقد جاء العشاء ويبدوا أنه لم يجد من يتناوله فالكل كان
في شغل عن العشاء في كيف له أ ن يقضي هذه الليلة وكيف له أن يتعامل مع هذا البرد
والكل لم يعد في مقدوره النهوض من مكانه ليذهب إلى مكان توزيع طعام العشاء كذلك لم
يتحرك لا ماجد ولا وضاح من مكانهما رغما سماعهما المنادي ورغم الجوع .
تمر الثواني وتمر بعدها الدقائق وتزداد درجة الحرارة
انخفاضا ويزداد البرد وطأة حتى فقدنا الشعور بأطرافنا لقد شعرنا أننا ذاهبون شيء
فشيء نحو الموت بردا إن لم نتحرك من أماكننا ونبحث عن مصادر للدفء ولذلك نهضت أنا
وماجد رغم أنوفنا نبحث عن من يعطينا بطانية أو جزء من بطانية أو عن جذوة نار نصطلي
بها فلم نجد بطانية أو جزء من بطانية ولكننا وجدنا جذوات نار البلاستيك أهم
مكوناتها ولكننا لم نستطع تحمل رائحة البلاستيك فتركنا تلك الجذوات وانطلقنا أبحث
جذوات أخرى فوجدنا مجموعة من الشباب قد تكدسوا فوق بعض فانضممنا إليهم وشعرنا ببعض
الدفء الذي زال عنا بسرعة فتركناهم وعدنا
إلى المكان الذي كنا فيها وكان وضاح لا يزال موجودا فيه يتحرك إلى جذوة قريبة منه
ويعود إلى مكانه .
ناقشنا الوضع واتفقنا على ان نظل نتحرك طوال الليل من
جذوة إلى أخرى وكل يتحرك بالاتجاه الذي يناسبه ففي الحركة تحريك للدورة الدموية
وتدفئة للجسم وأن نتنقل بين أطراف المكان لعلنا نجد أماكن فيها جذوات كبيرة ذات
حرارة مرتفعة .
خلال الليل كانت هناك نساء يتركن سيارتهن ويخرجن لتفقد
الشباب وكنا نلمس تأثرهن بما آل إليه مصيرهم وتأثرهن نتيجة عجزهن عن المساعدة وكما
يقال ما حيلة الطير مقصوص جناه .
آه ما أصعبها من ليلة لقد جعلتني أقول لوضاح وماجد لو
عرفت أن ليلة كهذه ستواجهني ما شاركت في هذه المسيرة ولا أعتقد أنني كنت سأكون
محقا في هذا الكلام .
لقد أخبرتهم أن علي صالح عرف كيف يلعب جيدا فهاهو يقتلنا
هذه المرة وبغير سلاح ها هو يقتلنا بفعل البرد فقد كنت أتوقع أن لا تمر هذه الليلة
دون أن تأخذ معها شهداء ولكنه لطف الله ورعايته ولولا ذلك لما نجا الكثير من برد
تلك الليلة القاسية على شباب الثورة وشباب مسيرة الحياة .
لقد دعا وضاح بأن يخلصنا الله من هذه الليلة بأخلص عمل
عمله لوجهه تعالى ويبدوا أن الله استجاب لدعائه .
لقد كنا حريصين على حياتنا أملا في الوصول إلى صنعاء
وإلى ساحتها وإلى أبطالها لقد كنا نخاف أن تكون نهايتنا على يد البرد وما هكذا
يموت الرجال لقد تحركنا كثيرا وكانت الإطارات المحروقة الكبيرة والصغيرة تستهوي
وضاح وماجد أما أنا فكنت أتأذى من رائحتها كثيرا لذلك كنت أمر بالقرب منها وأبتعد
عنها بسرعة لقد عوضت
ابتعادي عن الإطارات التي أحضرها الشباب وأحرقوها ولا
أدري من أين أحضروها بكثرة السير حتى أصبحت وكأنني دورية على الساحة لقد التقيت
بفرد من الأمن المركزي كان يمر بالقرب من سوار المدرسة وقد تدثر ببطانية لا أكاد
أرى من خلالها إلا عيناه .
لقد تنقل ماجد وضاح بين الإطارات المحترقة فما أن ينطفئ
إطار إلى وانتقلوا إلى الإطار الذي بجوارها وأنا كنت أمر على كل الإطارات أزورها
من بعيد .
عند الرابعة فجرا دعاني أحد الأشخاص الذي كان متدثرا
ببطانية أحضرها معه من تعز وطالب مني ان أدخل معه تحت البطانية ودعا ثلاثة أشخاص
آخرين ووجدنا أن الوضع مناسب لأن نفترش الأرض الباردة جدا وأن نتغطى الخمسة
بالبطانية وهذا ما حدث بالضبط .
لم ننم ولكن الغرض من تجمعنا الدفء فم يعد يوجد من الوقت
ما يكفي للنوم لقد شعرت بالدفء من جديد وشعرت بأطرافي وشعرت بالدماء تعود إليها من
جديد وعند الخامسة صباحا أو الخامسة والربع تفرقنا نبحث عن المسجد كي نصلي الفجر
لقد ذهبت إلى المسجد الذي لم يكن يوجد فيه ماء فتركته وذهبت إلى أقرب تربة وتيممت
وصليت الفجر وعند عودتي إلى الطريق الرئيس وجدت سيارة مشاركة في المسيرة وعلى
متنها أسرة كانت إحدى النساء توزع برتقال على من بجوار السيارة أعطتني نصف برتقالة
وأعطت شخصا بجواري النصف الأخر .
عند السادسة تقريبا تحركنا بشكل فردي ثم تحرك
الجميع وتحركت معنا القوة التابعة للأمن
المركزي والتي رافقتنا في ليلة خدار ولم أكن أعرف أين ماجد ووضاح ولذلك تحركت
وحيدا على أمل أن ألتقي بهم على الطريق .
وعلى الطريق وجدت شاحنة متوقفة توزع الرغيف والجبن على
المشاركين في المسير حصلت على كيس خبز وحصلت على قطعتي جبن تناولت قطعتين من الخبز
وقطعتي الجبن وعلى الطريق وجدت شخصا معه مربى طليت القطعة الثالثة من الخبز
وتناولتها وكل ذلك وأنا أمشي ولم أتوقف حتى لتناول طعام الفطور .
وبعد هذه الوجبة أصبحت بأمس الحاجة إلى الماء الذي لم
يكن متوفرا على الإطلاق وهنا فقط شعرنا بقيمة الماء فلا دكاكين تبيعه ولا من كلف
نفسه مهمة توفير الماء للمشاركين في المسيرة .
يبدوا أننا أصبحنا بمنطقة لا يرغب أهلها أن نمر فيها لقد
أصبحنا في منطقة بلاد الروس أهلها ينظرون إلينا بصمت وقليل منهم يظهرون بعض
الترحاب أما الأطفال فخرجوا يحملون صور على صالح ويهتفون له وكنا نرد عليهم
بالتحية فالأطفال محبوبون مهما يمارسون من أفعال لا نقبلها من غيرهم .
لقد لمسنا عدم الرضا عنا لأول مرة خلال المسيرة وللحقيقة
لم يعترض أحد علينا أو يتسبب في أذيتنا لقد مررنا بهم كأنهم غير موجودين .
بسبب قوة العطش الذي أصابني وعدم توفر الماء قررت أن
أركب سيارة إلى أقرب دكان يبيع الماء وركب معي مجموعة من الشباب ووجدنا بائع أيس
سكريم طلبنا منها أن يبيعنا أي سكريم لعلنا نتخلص من العطش فرفض بيعنا الأيس كريم
وقدمها لنا مجانا بعدما عرف أننا من المشاركين في المسيرة .
وصلنا عند حاجز عسكري أعتقد أنه في منطقة ضبوة وهو تابع
للحرس الجمهوري وكنت لا أزال فوق السيارة لأني كنت في الأساس قريبا منه قبل أن
أركب وهناك توجد بقالة نزلت واشتريت منها ماء سألت البائع بكم القنينة قال بمائة
ولأنك من
المشاركين في المسيرة فسأكتفي بثمانين ريال والحقيقة أن
قيمتها ثمانون ريال وما قاله البائع نوع من المجاملة لا أكثر .
بعد هذا الحاجز كان أبناء القبائل في استقبالنا ومن خلال
اللوحات المكتوبة عرفنا أنهم من قبائل خولان وبلاد الروس وبني بهلول الذين حضروا
لاستقبالنا وقيل لنا أن إحدى الكاميرات الموجودة تابعة للفضائية اليمنية .
لقد استقبلنا أهالي هذه المناطق بالماء الذي كم كنا
بحاجة إليه قبل هذه اللحظة .
ركبت قليلا كي ألحق بأول المسيرة وعند أولها عند نهاية
طريقين بعد ضبوة أو ضبة لا أدري ما أسمها بالتحديد وقد يكون لها أسم أخر نزلت وقد
أصبحت في أول المسيرة وهناك وجدت أحد أصدقائي الذي التقي به لأول مرة وهو من أبناء
مدينة القاعدة القريبة من قريتي وقد كان مشغولا بمشادة كلامية مع إحدى النساء
المشاركات في المسيرة بسبب الكلام الذي كانت تردده تلك المرأة ومن معها والذي نصه
(اللي بيروح الستين خائن ).
قد لا أكون أتذكر الكلام بالنص لكن هذا هو معناه
بالتأكيد وهذا الكلام لم يعجب صديقي نجيب بل واعترض عليه بشدة واعترض على فكرة
الذهاب إلى الستين من الأساس وأخبرها أنه منذ أن شارك بالمسيرة لم يكن ينتوي
الذهاب إلى السبعين وأن وجهته الستين وأن لا جدوى من الذهاب إلى السبعين وأنه
يحملها المسؤولية كاملة نتيجة طلبها من المشاركين التوجه إلى السبعين وكنت أقف مع
نجيب فأنا مثل نجيب قراري منذ للحظة الأولى أن أصل إلى الستين وليس إلى السبعين
فلست أرى فائدة من التوجه إلى السبعين ووقف الكثير من المتحمسين مع المرأة .
صنعاء تعانق تعز وتعز تعانق
اليمن
عند ذلك المكان الذي حدثت فيه المشادة الكلامية البسيطة
وانتهت فيه التقت المسيرة بالمستقبلين من أبناء المنطقة وبجزء من الذين خرجوا من
الساحة ليستقبلوا المسيرة وأصبحت المسيرة أكبر حجما مما سبق .
لقد استقبلنا أبناء ومشايخ تلك المنطقة بكرم لم نشاهد له
مثيل لد وزعوا الماء والعصائر والبسكويت بدون حساب على المشاركين في المسيرة وعلى
غيرهم لقد رأيت بعض الناس يحملون كراتين من العصير وكراتين من الماء ويذهبون بها
بعيدا خصوصا ممن لم يشاركوا في المسيرة ولأن العصائر كثيرة والبسكويت كثير أيضا
ومن أكثر من موزع فلم يشعر الكثير بمثل هذه التصرفات السيئة وللحقيقة فقد حصلنا
على أكثر مما نحتاج بل لقد بقي معنا بعض الماء والبسكويت والعصائر حتى وصولنا إلى
الستين .
لقد شعرنا أننا لم نعد بحاجة إلى طعام الغداء لقد تبادر
إلى أذهاننا أن هذا هو طعام الغداء الذي أعده أبناء المنطقة لضيافتنا .
إن ما أسعدنا ليس ما قابلنا به أبناء المنطقة وشيوخها من
ماء وعصائر وبسكويت بل ما أتحفونا به من مشاعر حب وترحاب وألفة لقد لمسنا الأخلاق
العالية التي قرأنا عنها عن العرب والتي بها فاخرنا الأمم لقد وجدنا تلك الأخلاق
العالية تخرج من بين سطور الكتب لتتجسد على أرض الواقع.
من هنا أصبحت المسيرة تمثل اليمن بأكملها فقد انظم لها
أبناء العاصمة ومن أبناء الساحة التي يتواجد فيها من كل مديريات اليمن .
على الطريق إلى أمانة العاصمة حاولت قوات من الأمن
المركزي إجبار المسيرة على سلوك طريق خولان لكن الشباب أصروا على أن يواصلوا
الطريق باتجاه شارع تعز لقد كادت تدحث مواجهة لولا تراجع قوات الأمن المركزي
وسماحها للمسيرة بمواصلة خط سيرها .
عند الساعة الحادية عشر تقريبا أصبحنا في ضواحي أمانة
العاصمة وعلى الطريق إلى أمانة العاصمة تعرضت المسيرة لاعتداء من قبل بعض البلاطجة
عندما قاموا بدهس بعض المشاركين في المسيرة بسيارة يركبونها لكن بعض المشاركين في
المسيرة تصدوا لهم باستخدام الحجارة وطاردوهم رغم ما يملكه البلاطجة من سلاح
والذين استخدموها في إطلاق الرصاص باتجاه الشباب
وبالفعل أرغم الشباب البلاطجة على ترك السيارة والفرار وقام الشباب بحرق السيارة وترك مهمة
إلقاء القبض على هؤلاء البلاطجة على طقم الأمن المركزي الذي كان يرافق المسيرة .
لقد كان هذا الحادث أمامي ووصفي له وصف شاهد العيان لقد
طارد الشباب بل لنقل الأشبال وهم بصدور عارية
هؤلاء البلاطجة المسلحين والملثمين خوفا من أن يعرفهم أحد وأرغموهم على
الدخول في طريق فرعي مقفل مما اضطرهم لترك السيارة والهروب جريا على الأقدام .
لقد وقع الحادث عندما كانت النساء في المقدمة ولقد كان
إطلاق الرصاص باتجاه النساء ولذلك حاولنا جاهدين منع الشباب من ملاحقة البلاطجة
خوفا من أن يضيق .
الشباب الخناق على البلاطجة فيستخدم البلاطجة الرصاص
بكثافة مما يؤدي إلى إصابة النساء برصاص هؤلاء الفئة الضالة .
لقد سمعت شبابا من الذين استقبلونا يثنون على شجاعة
أولئك الشباب الذين طاردوا البلاطجة المسلحين وأحرقوا سيارتهم خصوصا بعدما شاهدوا
دخان سيارة البلاطجة بعد إحراقها .
كذلك في هذه المنطقة تعرضنا للرمي بالحجارة من داخل
مدرسة ورد الأشبال المشاركين في المسيرة على مصدر الحجارة وهناك من أطلق الرصاص
ربما في الهواء من خلف المدرسة وعلى الطرف الأخر كان هناك من يحيى المسيرة وخصوصا
بعض الفتيات .
لقد سمعت من بعض المشاركين في استقبالنا أن هذه المنطقة
هي المنطقة ذاتها التي تعرضوا فيها للاعتداء بالأمس عندما انطلقوا من ساحة التغيير
لاستقبال المسيرة .
على الرغم من هذه الاعتداءات والمنغصات استمرت المسيرة
في طريقها وأصبحنا أمام مستشفى ثمانية وأربعين ومعسكر الحرس الذي بجواره وكان جنود
الحرس الجمهوري ينتشرون بكثافة حول المعسكر دون أن يتعرضوا لنا بأذى ولم نحتك به
نحن نردد شعاراتنا ونسير إلى الأمام وهم يلتزمون بمواقعهم لا يعترضون أحد .
هناك عند المستشفى والمعسكر كنت راكبا إحدى الحافلات
المشاركات في المسيرة فقد كنت في تعب وإرهاق يحول بيني وبين السير على الأقدام
ولقد أصبحت قدماي متورمتان وأكياس الماء منتفخة بشكل كبير .
كانت الحافلة تسير لعلها تبلغ المقدمة لكن دون جدوى
فالطريق أمامنا ممتلئة بالشباب والحافلات والسيارات المشاركة في المسيرة .
وأنا على الحافلة شاهدة ماجد لكن لم استطع الحديث إليه
لقد كانت الأنباء تصل أن المسيرة قد وصلت شارع تعز ولا أظن أن ذلك قد حدث بالفعل
ربما أصبحت على مشارف الشارع .
الآن نحن في حزيز نسير باتجاه جولة دار سلم ولو فرضنا أن
شارع تعز يبدأ من حزيز في المعلومات صحيحة بأن المسيرة قد وصلت شارع تعز ولو
اعتبرنا شارع تعز يبدأ من بعد جولة دار سلم فلا زال بعض الوقت ربما ربع ساعة حتى
نقول أن المسيرة وصلت شارع تعز طبعا هذا بسبب الزحام أما لو لم يكن هناك زحام فبضع
دقائق كفيلة بأن يصل الشباب إلى جولة دار سلم .
جولة دار سلم السلم الذي
حولته العصابة إلى إرهاب
وصلت بالحافلة إلى أمام الجولة بقرابة الخمسين مترا أو
أكثر بقليل وقد كان هناك الكثير من الشباب من الذين وصلوا قبلنا وكانوا قد انتظموا
في صفوف وكان كما يبدوا أن هناك مانعا يمنعهم من التقدم تبين لي أنه قوة كبيرة من
الأمن المركزي مدججة بالسلاح وبسيارات خراطيم المياه لقد كان الشباب قريبون من
قوات الأمن المركزي لا يفصلهم عن بعض إلا بضعة أمتار لقد كنت أسمع الضابط الذي
يحاور الشباب بواسطة ميكرفون يد ويطلب منهم التوجه باتجاه شارع خولان ومنه يكملون
مسيرتهم باتجاه الستين ولكن الشباب كانوا مصرين على المرور بداخل شارع تعز وكان
الطرف الأخر مصرا على رأيه أيضا .
انهارت المفاوضات نتيجة تمسك كل طرف برأيه وتحرك الشباب
باتجاه شارع تعز لتندلع المواجهة ويقوم جنود الأمن المركزي بارتكاب جريمة في حق
الشباب المشارك في المسيرة .
الشباب كانوا يتواجدن باتجاه الجنوب والسيارات المشاركة
بالمسيرة وغير المشاركة تحيط بهم ومن خلفهم
وكانت قوات الأمن المركزي متواجدة باتجاه شمال الجولة وغربها وكان البلاطجة
المسلحون قد انتشروا على العمارات المطلة على الجولة ومع تحرك الشباب بدأت القنابل
المسيلة للدموع تنهمر على الشباب فتراجع بعض الشباب وصمد البعض الأخر لقد تأثرت
سريعا بمسيلات الدموع فلم أكن متعودا عليها من قبل وأصبح مجال الرأية محدودا عندي
لغزارة الدموع المنسكبة من عيني فتركت الحافلة أنا ومن كان بداخلها وتركنا السائق
لوحده وتراجعنا للخلف وتراجعت السيارات التي وجدت فرصة للتراجع وفي نفس الوقت
تقدمت سيارات أخرى كان يقودها بعض المشاركين في المسيرة بسياراتهم .
وبدأت تصل دفعات جديدة فيها أبطال ينتظمون في صفوف
ويتقدمون إلى الأمام وفيها آخرون يتراجعون إلى الوراء .
أما بالنسبة للإذاعة المحمولة فكان كل جهدهم ينصب في
توعية الشباب بعدم الدخول إلى شوارع فرعية وجانبية خوفا عليهم من الاختطاف
لقد ظهرت الخبرة في المشاركة في المسيرات والشجاعة في
تصرف الكثيرون بشكل ثبات وإصرار على فتح الطريق ومواصلة السير حتى النساء التي
شاركن من قبل ظهرت خبرتهن في هذه الصدامات القوية في جولة دار سلم لقد شاهدت
النساء المشاركات يشققن الصفوف إلى الأمام في شجاعة تذكرنا بشجاعة خولة بنت الأزور
وسمية لقد شاهدت فتيات صنعاء اللاتي احتشدن على جانبي الطريق لتحية المسيرة
الراجلة ينتظمن في صفوف وأعمدة ويرددن الشعارات ويتقدمن إلى الأمام بكل شجاعة
وإقدام لقد أصبت بالذهول لقد رأيت بعيني شجاعة كنت أظن أن من يتحدثون عنها يتحدثون
بخيال ومبالغة في الخيال .
في الأمام المعركة على أشدها شباب بصدور عارية يواجهون
آلة عسكرية وبلطجية وفي الوسط دفعات تتقدم ودفعات تتأخر وتتراجع وعلى الجوانب
يتسرب العض ليواجهوا مصيرا مجهولا وبالقرب من كل هؤلاء وقفت أراقب لعلي أرى ما جد
ووضاح لكن دون جدوى وبدأت أخبار المواجهة والملحمة البطولية لشباب مسيرة الحياة
تنتشر وبدأت الاتصال تصل بكثافة وكنا نسأل هل هناك شهداء وإصابات فوسائل الإعلام
أقرب إلى معرفة ذلك منا فمن في المقدمة لا يرف أخبار المؤخرة والمؤخرة لا تعرف ما
في المقدمة والوسط لا يعرف ما في المقدمة أو المؤخرة وللعلم فقد كان جوالي هو
الوحيد الذي يعمل لأن به بعض الطاقة المختزنة من يوم مبيتنا في ساحة ذمار أما ماجد
ووضاح فقد انتهت الطاقة من بطارية جواليهما ربما لأنهما لم يدخرا تلك الطاقة لمثل
هكذا أحداث لأنهم ربما لم يتوقعوها ولذلك أصبح الحمل ثقيلا علي وأصبحت همزة الوصل
بين أيناء القرية والمعارف والأصدقاء وبين وضاح وماجد وفي الوقت ذاته أصبحت همزة
الوصل بين وضاح وماجد بعدما تفرق كل في اتجاه وكان ماجد الشخص الأول الذي اتصل
يسال أين أنا حتى يأتيني ولكن لم يستطع العثور علي وبعدها اتصل أخي جمال الذي كان
من المتوقع أن نذهب إليه بمجرد تجاوزنا دار سلم ومرورنا بقسم من شارع تعز فأخبرته
بعدما تأخرنا أن الطريق مقطوعة وأنه عندما تسمح لنا الظروف سنتواصل معه وأخبرته أن
لا جدوى من حضوره إلى دار سلم وأبلغته أنني أيضا أنتظر وضاح وماجد ولا يمكنني أن
أنتقل من مكاني قبل أن أعرف أين هم .
في هذه الأثناء كانت المواجهات تشتد وتشتد والدفعات تصل
أيضا تباعا إلى المقدمة لكن بأعداد أقل من لو كانت الأحداث طبيعية وهادئة لكن
المواجهات تشتد والشباب في كر وكر مع الأمن المركزي والبلاطجة والغازات المسيلة
للدموع تنتشر أكثر وأكثر وبعد طوال انتظار لماجد قررت التراجع للخلف أكثر حتى وصلت
إلى أمام اللوحة الدعائية الخاصة ببنك سبأ الإسلامي وهناك
وضعت أغراضي تحت كتفي بانتظار ماجد ووضاح فمن هذا المكان
يمكن بقوة رأية أي شخص يمر متقدما أو متراجعا وبالطبع لقد تراجعت إلى هناك بالرغم
من أنه كان بإمكاني تجاوز الجولة بعدما فتحت بفضل الله ثم التضحيات التي قدمها
أبطال المقدمة والتضحيات التي قدمها الشباب الواصل من ساحة التغيير بصنعاء
لاستقبالنا ولما يقال أن هناك اتصالات تمت للسماح للمسيرة بالوصول ولوقف الاعتداء
الهمجي عليها فقد تراجعت قوات الأمن المركزي غربا وقد كنت بالمكان المناسب للانتظار
إن لم أكن في المكان المناسب للمواجهة فقد رأيت وضاح قادما من الأمام في الوقت
الذي وصلني اتصال من أحد إخوته يسألني عنه فأعطيته الجوال ليرد على المكالمة حتى
نفدت البطارية بشكل شبه تام وبعدها سألني عن ماجد فطلبت منه أن يبحث عنه وسأنتظر
أي منهما في هذا المكان فطرح أغراضه معي وذهب ليبحث عن ماجد الذي وجده بعد وقت ليس
بالطويل ليتبين لنا أن ماجد قد نجا برحمة الله من عملية خطف بعدما ذهب إلى شارع
فرعي هو شارع الخمسين فقد كان هو ومجموعة على متن سيارة توقفت بعد المضايقات التي
تعرضت لها ليفاجأ الجميع أنهم أصبحوا أمام قوة من الحرس الجمهوري طلبت منهم التوقف
بقوة السلاح ولولا انشغال تلك القوة بأصوات رصاص من الجهة الأخرى لما تمكن ماجد من
الهرب والركوب بحافلة إلى حزيز ومن حزيز عاد مشيا على الأقدام مرة ثانية إلى حيث
وجدناه وبذلك اتفقنا أن نعمل سويا على تجاوز جولة دار سلم مع الجميع وأن نتوقف عند
ماركت الشارقة حيث نلتقي جمال ونذهب معه إلى البيت وهنا جاءت إحدى الشاحنات
المحملة بإذاعة تطلب من الشباب التقدم فقد فتحت الطريق وطلب من الجميع اللحاق
بالمسيرة والانضمام لها ومن عجائب الأقدار وجدت على الشاحنة أحد أبناء القرية وهو أسعد فازع الذي كنت أظنه لا
يزال في الحرس الجمهوري ولكن بعدما تحدثت إليه بعدما ترك الشاحنة وعاد معنا إلى
المسيرة فهو كان قد حضر مع الشباب الذين حضروا من ساحة التغيير لاستقبال مسيرة
الحياة عرفت بقصة تركه للحرس وفي طريقنا نحو ساحة الحرية أصر على مساعدتي وحمل القرطاس
الذي بيدي والذي به أغراضي الشخصية وتجاوزنا نحن الثلاثة وأسعد الجولة رغم استمرار
إطلاق القنابل المسيلة للدموع من قبل قوات الأمن المركزي المتراجعة غرب جولة دار
سلم باتجاه شارع الخمسين .
ولأن الجموع التي انتظمت إلى المسيرة كبيرة فقد فقدت
ماجد ووضاح بمجرد تجاوزنا للجولة كذلك انشغالي بالحديث مع أسعد ومع ثلاثة أشخاص من
أبناء القرية ما كنت أعرف أنهم موجدون في الساحة وما ظننت أن أراهم في هذه الظروف
وهم الدكتور شايف وثلاثة آخرين حتى أني لا أذكر أسمائهم بالتحديد ومعرفتي لهم
بالصور أكثر مما هي بالأسماء .
وبالطبع بدأ لحديث بيننا يدور بسرعة فكل شخص يريد أن
يسمع من الأخر عن أخبار الثورة في المكان الذي أتى منه كل شخص وكانت أول أسئلتي
للدكتور شايف واسعد عن ما كان يدور في الجهة الأخرى من جولة دار سلم حيث نالهم
الكثير من الرصاص والقنابل الدخانية وبحكم علاقة الدكتور شايف بالمجال الصحي فقد
أنقذ العديد من الثوار باستخدام المشروبات الغازية من الاختناق
ومن الحروق باستخدام مادة الخل ولقد كان أثر مادة الأسيد
باديا على يده من جراء استخدام قوات الأمن المركزي للمياه الساخنة والملوثة
والمخلوطة بمادة الأسيد الحارق .
لقد كان فرحنا ببعض كبيرا فقد كان الدكتور مقدرا لي
مشاركتي في المسيرة وكنت مقدرا له صموده طوال عشرة أشهر داخل الساحة وكان كل واحد
معجب بالدور الذي قام ويقوم به الآخر لقد تحدث عن عظم هذه المسيرة قائلا لقد فتحت
هذه المسيرة جنوب صنعاء الذي كان محرما على الثوار دخولها أو حتى الحديث فيها عن
الثورة لقد أوصلت مسيرة الحياة الثورة إلى مناطق لم تصلها من قبل لقد حققت مسيرة
الحياة فتحا عظيما بكل ما للجملة من معنى لقد حققت الثورة لمن في الساحة حلم عظيما
بالوصول إلى شارع تعز .
وفي ظل الكلام الجميل والرائع كانت المسيرة تتحرك كطوفان
بل تسونامي بشري هائل يملئ الشوارع ويقابله تسونامي آخر من المستقبلين للمشاركين
في المسيرة ولن أكون مبالغا لو قلت أنني كنت بين ما لا يقل عن مليون من البشر أو
أكثر لقد عجزت عن تحريك قدمي بحرية كنت أعهدها فيما مضى من حشود بشرية لقد كنا
نمشي بخطى متسارعة قصيرة كأننا في مرثون للمشي ولم يكن هناك مجال للتوقف أو
التباطؤ لقد كنا في بحر من البشر لا نرى أوله ولا نرى آخره .
في الطريق داخل شارع تعز باتجاه باب اليمن إلى شارع
الزبيري إلى جولة عصر إلى الستين إلى جولة مذبح إلى داخل الساحة الحرية كانت تمشي
معنا وترافقنا والحالة المعنوية مرتفعة والتعب يكاد يكون ذكرى وكأني فقط اليوم
أشارك في هذه المسيرة الأسطورية لقد نسيت التعب والألم خصوصا بعدما استطاع الدكتور
شايف إقناعي بالمواصلة حتى نقطة الوصول
النهائية للمسيرة لقد أصر علي كثيرا من
اجل ذلك وعند إصراره الكبير تجاوزنا الشارقة مول حيث كانت النية أن أتوقف عن
المسير وأتجه غربا إلى منزل أخي جمال الموجود في مديرية السبعين وهنا أكون في
السبعين على غير ما قصدت والذين كانوا يريدون الذهاب إلى السبعين واصلوا السير
باتجاه الستين ومنهم المرأة التي حدث بينها وبين صديقي نجيب مشادة كلامية بسبب الستين
والسبعين فقد رايتها بعد المواجهات الدامية بين الشباب وقوات الأمن المركزي
والبلاطجة وهي تنادي على الشباب وتطلب منهم التوجه إلى الستين بدلا من التوجه إلى
السبعين كما كانت تطلب منهم طوال المسيرة فقد أدركت أن النظام لن يقبل بوصول
الشباب إلى السبعين ولو قتلهم جميعا وأدركت ما أدركه المدركون من قبلها ولأن الرفقة رائعة والإصرار من قبل أبناء
القرية كبير فقد قررت المواصلة مع المسيرة إلى الستين ومن ثم العودة إلى السبعين
للنوم وعودة للحديث عن المسيرة فقد كان شارع تعز ممتلئ بأبناء تعز وإب وذمار
والبيضاء ومن كل أبناء اليمن من الذين انضموا إلى المسيرة من الساحة ومن أبناء
الشارع الذين خرجوا لاستقبال المسيرة ولتحيتها فهذه المسيرة هي أول مسيرة تصل إلى
شارعهم وهذا هو اليوم الأول الذي تصل فيه الثورة إليهم وحتى الذين لم يكونوا
مؤمنين بالثورة فقد خرجوا لمشاهدة السيل الجارف من البشر الذي لم يروا مثله من قبل
.
نعم لقد تأخرت الثورة في الوصول إلى هذا الشارع وتأخرت
المسيرات لكنها أخيرا وصلت وبالحجم والشكل المناسب ومن الاتجاه الذي لم يتوقعه أحد
ولم يحسب حسابه .
على جانبي الشارع لا تكاد ترى حيزا من الفراغ فالموظفون
تركوا أعمالهم والأطفال تركوا أمهاتهم والنساء تركت بيوتها والشباب تركوا ملاعبهم
والشيوخ تركوا مقايلهم لكي يتابعوا المسيرة عن قرب منهم من يتابعها بفرح لأن
الثورة
أخيرا وصلت شارعا كان مغلقا في وجه الثورة بفعل قرب
السبعين منه والآخرون يتابعون مذهولين فهم لا يصدقوا أن طوفان بشريا بهذا الحجم
يقف مع الثورة بعدما صور لهم النظام أن الذين ثاروا ضده أقلية بالمئات والآلاف فقط
وأن هذا الطوفان البشري يردد هكذا شعارات بالقرب من دار الرئاسة وأمام صور صالح
التي لم تنزع بعد كما نزعت من الكثير من شوارع اليمن .
يستمر السيل الجارف في طريقه نحو الشمال نحو باب اليمن
يرافقني على الطريق أسعد الثائر الذي حكا لي كيف خرج من الحرس وانظم إلى الساحة
وتعرفت على الدكتور شايف الثائر منذ اللحظات الأولى للثورة والمرابط في الساحة مذ
عشرة أشهر الذي ترك وظيفته لأن مدير المؤسسة التي عمل بها من أكبر رجالات ودعائم
النظام الفاسد .
فمديرها أو رئيسها هو حافظ معياد أشد الناس عداوة للثورة
والثوار بل أحد أبز بلاطجة النظام .
تعرفت على الدكتور شايف البعثي الذي لم يعجبه موقف قيادة
حزب البعث من الثورة الشبابية فانطلق إلى الساحة بمبادرة ذاتية وتعرفت جانبا من
تأريخه عندما كان في العراق أبان الغزو الأمريكي ودروه في تلك المرحلة الصعبة وكيف
غادر العراق وكله جراح .
الدكتور شايف رجل عشق الثورة وضحى في سبيله وللحديث معه
متعة هون علينا بعد الساحة بعد أن طال السفر إليها وبعد ما حصل لنا في خدار التي
حرمنا فيها من النوم وما أصعب السفر بعد السهر .كنا نسير تحت لوحة يحملها أبناء
القرية تمثل أحد الائتلافات التي بيدوا أن للدكتور شايف علاقة بها .
كانوا يتناوبن على حمل اللافتة ومن يتركها يساعدني في
حمل العلاقية التي بحوزتي .
وكنا جميعا حريصون على أن نبقى مع بعض وفي الطريق إلى
باب اليمن حصلت على قنينة مشروب غازي وتمرية كان أحد التجار يوزع على الذين
يشاركون في المسيرة وعلى الشوارع الفرعية باتجاه الغرب كنا نجد قوات تابعة للحرس
والأمن المركزي تغلق تلك التفرعات خوفا من أن تتجه المسيرة من خلالها إلى السبعين
المنطقة المحتلة من العائلة والتي تحرسها ألوية النخبة في القوات المسلحة اليمنية
.
أكثر التفرعات اكتظاظا بقوات العائلة كانت عند جولة خمسة
وأربعين وجولة الستين مع أن سلمية
المشاركين في المسيرة تجعل الحاجة منعدمة لمثل هكذا
استعراض للقوة فقد اقتنع الجميع بأن لا جدوى من الذهاب
إلى السبعين وأن الستين هو المقصود .
لم أدري كم استغرق الوقت حتى وصلنا إلى باب اليمن لكننا
وصلنا عندما كانت تقام صلاة المغرب وتجاوزنا باب اليمن الذي كان يتواجد فيه مجموعة
من الذين نسميه بلاطجة أنصار العائلة وهم يحملون صور صالح وحاولوا استفزاز الشباب المشارك في المسيرة
وحدث بعض الاحتكاكات بينهم وبين بعض الشباب وتوقفنا قليلا عند بداية شارع الزبيري
حيث قام الشباب المنظم إلينا من الساحة وبعض المشاركون في المسيرة من تعز بتأدية
صلاة المغرب والبقية انتظروا حتى تلتحم المسيرة ببعضها فقد كانت هناك أنباء عن
تعرض المسيرة للاعتداء من قبل قوات الحرس عند جولة خمسة وأربعين .
شارع الزبيري يخضع للثورة
لأول مرة
بعد دقائق فقط وكنت قد أصبحت في المقدمة تقريبا أنا
وأبناء قريتي من الذين استقبلونا في جولة دار سلم تحركت المسيرة مجددا وأصبحت
أقدامنا تطأ شارع الزبيري الشارع الأكثر دموية في ذاكرة الثوار فقد سقط في جولاته
المتعددة والشوارع والأحياء التي به مرتبطة مئات الشهداء في الطريق إلى جولة عصر دخلنا أول نفق كما يدخل
السيل العظيم ونحن نردد الشعارات التي أصمت الآذان وأشعرتنا بما لم نشعر به من قبل
فلقد كان لصدى الشعارات تأثير غريب يحتاج لكثير من الدراية باللغة والمشاعر لوصفه
ومن نفق إلى نفق حتى وصلنا الجولة الأكثر شهرتا في اليمن خصوصا في هذه المرحلة
جولة النصر كما يسميها الثوار وجولة كنتاكي كما يسميها أنصار العائلة والنظام في
داخل النفق وتحت الجسر كانت قوات الأمن المركزي منتشرة بكثافة لكنها لم تعترض أحد
بالرغم من ترديدنا للشعارات التي كانت تصفهم بخدم العائلة وتنتقد خدمتهم للعائلة
ومن هذه الشعارات عاش الجيش الحر عاش والخائن يحمي عفاش .
عند هذا الجسر توجد أشهر عمارة في صنعاء وربما في اليمن
وهي عمارة لا إله إلا الله وهنا سألت الدكتور شايف عن ما حدث لهذه العمارة التي
تحدثت الأنباء عن المعارك التي حدثت عندها وعن تبادل السيطرة عليها بين الجيش
المنظم للثورة والجيش المساند للعائلة كذلك فإن آثار المعركة لا تزال بادية وللعلم
فإن الجيش المؤيد للثورة انسحب من هذه العمارة ومن الجولة بعد وساطة خليجية وأممية
لوقف الاشتباكات .
استفدت من الكتور شايف الكثير من المعلومات عن هذه
العمارة والجولة وعن حي القاع الذي يقع بالقرب من هذه الجولة وبالقرب من الشارع بل
يتفرع من الشارع .
على الشارع وجدنا معسكرات خاصة بالبلاطجة وكان الخوف أن
يحصل منها اعتداء ولكنها لم تعترض علينا رغم الشعارات التي رددناها والتي كانت
تسبب الكثير من المعاناة لثوار صنعاء يبدوا أن البلاطجة بدءوا يفهموا أن بقاء
النظام مسالة وقت لا أكثر وأنهم يخوضون معركة خاسرة من أجل نظام ساقط لا محالة .
لقد كان من
الصعب علي التعرف على الأماكن بدقة بسبب انقطاع الكهرباء على الشارع في هذه الساعة
على عكس الأيام السابقة التي يبقى فيها الشارع مضاء خلال هذا الوقت خصوصا أن هذا
الشارع يعتبر شارع البنوك والشارع الاقتصادي والتجاري داخل الدولة حيث تتواجد
داخله مقر معظم الشركات المحلية وفروع معظم الشركات العالمية العاملة داخل
الجمهورية وحتى الكثير من المصالح والمؤسسات الحكومية توجد داخل هذا الشارع .
طالت المسيرة وكلما سألت الأخ شايف كم بقي من الوقت حتى
نصل كان يرد اقتربنا اقتربنا ولم يبقى إلا القليل وجولة تتلوها جولة والمسيرة نحو
هدفها النهائي حتى وصلنا جولة عصر الشهيرة أيضا لكن شهرتها أقل من سابقتها وهنا
حدثني شايف عن المسافة ترك لي تحديد الزمن لقد قال لي أننا الآن على بعد ستة كيلو
مترات عن الساحة ومن خلال خبرتي بالزمن والمسافة عرفت أننا بحاجة إلى مالا يقل عن
ساعة حتى نصل الساحة .
على الطريق إلى الساحة مررنا بوزارة الخارجية التي حدثت
عندها معارك بين بلاطجة وقوات منظمة إلى الثورة حدثني الأخ شايف عن هذه المعركة
وبعد وزارة الخارجية وصلنا إلى أول نقطة تابعة للجيش المنظم للثورة وهنا قال
الدكتور شايف داخلنا المنطقة الوحيدة التي نشعر فيها بالأمان داخل صنعاء شاكرا الدور
الذي يبذله الجيش المنظم للثورة من أجل توفير هذا الأمان داخل الساحة .
ومن هنا بدأ الاحتفال
الأسطوري بوصول المسيرة بإطلاق كثيف للرصاص المؤشر والمضيء في الهواء حيث كانت تنطلق الرصاص من على سيارات
تابعة للفرقة ترافق المسيرة ومن داخل مقر الفرقة ومن المواقع التي تنتشر فيها قوات
الفرقة .
لقد كان شارع الستين شبيها بشارع تعز من حيث كثافة
المستقبلين من عسكريين ومدنيين من صغار وكبار من ذكور وإناث على الرصيف وفوق
الجسور والمعابر المعلقة وحتى حراسات منزل النائب استقبلتنا بإطلاق نار كثيف في
الهواء على طول وقت مرور المسيرة .
وعند هذه الأجواء الرائعة سألت الأخ شائف هل قد رأيت
احتفالا مثل هذا الاحتفال واستقبالا مثل هذا الاستقبال فأنا لم أرى مثله من قبل
فرد عليا نعم عندما وقع علي صالح على اتفاقية تخليه عن السلطة لكن الأخ شايف تراجع
عن هذا التصريح بعد استمرار الاحتفال والاستقبال وقت أطول مما كان يتوقعه وقال لي
عندما وصلنا الساحة لم أرى مثل هذا الفرح وإطلاق الرصاص احتفالا من قبل .
عند التاسعة والنصف دخلنا الساحة من الشمال من جوار
جامعة العلوم والتكنولوجيا وتحركنا إلى خيمة أبناء القرية الموجودة بالقرب من
المنصة وسط ازدحام شديد يصعب الحركة من خلاله إلا بمعاناة وجهد كبير .
في داخل الخيمة أحضر الدكتور شايف طعام عشاء مكون من
الجبن والطاحونية والشاي تناولناها وأكملنا تناوله ولا تزال المسيرة مستمرة
بالوصول .
لقد قطعنا المسافة من دار سلم إلى الساحة في ست ساعات
تقريبا لقد تحركنا خلال هذه الست ساعات دون توقف إلا التوقف البسيط عند باب اليمن
وقت صلاة المغرب ولم يتجاوز هذا التوقف بضع دقائق .
عظم الاستقبال وروعته أنسانا المعاناة والتعب الذي كان
قد تمكن منا وهنا في الخيمة استرحت قليلا ومن ثم استأذنت الرفاق والأخوة بأن
يسمحوا لي المغادرة إلى منزل أخي فسمحوا لي بعد أن طلبوا من البقاء معهم لكنني
أقنعتهم بحاجتي للراحة في منزل أخي وغدا ألتقي بهم أنا وأصدقائي الذين قد سبقوني
إلى منزل أخي واستفسرتهم عن فرزة حافلات باب اليمن ومن هناك ركبت الحافلة إلى باب
اليمن ومن باب اليمن ركبت حافلة أخرى إلى أمام الشارقة مول ومن هناك ركبت سيارة
أجرى إلى أمام المنزل ودخلت الغرفة وماجد ووضاح في نوم عميق لم يشعرا بوجودي فصليت
الأربعة الفروض جمعا وقصرا ولم يكن بعد الصلاة أطيب غير النوم وعند الفجر كنت أول
المستيقظين كعادتي صليت
وأيقظت البقية وتناولنا طعام الإفطار وغادرنا إلى الساحة
التي نراها في النهار ومجتمعين نحن الثلاثة جلال ووضاح وماجد لأول مرة وهناك
قابلنا الجميع بكل ود وإعجاب واحترام وكان أبناء صنعاء لا يزالون يحضرون لنا
المشاركين في المسيرة طعام خاص يوزعوه على كل الخيام
لعدة أيام تلت الوصول .
الشعارات التي كان يرددها
المشاركون في المسيرة وبعضها لا أأيدها
ياللعار ياللعار سلمية تضرب بالنار
علي خلص أوراقه باقي شنقة وعلاقة
شهدانا كتبوا بالدم علي لازم يتحاكم
يا عمال يافلاحين اقضوا على الرجعية شيدوا الدولة
المدنية
ومتعبناش متعبناش والحرية مش ببلاش
ومرقدناش ومرقدناش
يا صنعاء شدي حيلك ابناء الحالمة واجي لك
الشعب يريد بناء يمن جديد
السبعين يقرب يقرب يا علي وين شتهرب
حيابهم حيا بهم واحنا تشرفنا بهم
يا حكومة نص النص واحد سارق واحد لص
وبانمشي على الرجلين لما نوصل النهدين
ما نشتيش عبد ربه علي صالح يلعب به
ارفع راسك فوق أنت يمني حر لا للاستعباد لا للعيش المر
شهداء مسيرة
الحياة وقناديلها المضيئة الأسماء من 2- 10 من موقع يمن فويس
:-
1. أنس مالك إب
2. فكري صالح حمود صلاح
اب
3. نشوان سعيد سيف صالح
تعز
4. احمد علي بن علي الرعيني
إب
5. مجاهد صالح علي صالح الزكري
6. عبدالناصر مهيوب غالب
تعز
7. منصور عبدالله هزاع
تعز
8. صالح احمد محمد الاحمدي
ريمة
9. توفيق احمد توفيق عباد اب
10 . معتوق محمد قاسم صنعاء
حدث في المسيرة:-
لقد لمسنا معية الله وتوفيقه لنا منذ أول لحظة فكرنا بها
في المشاركة بهذه المسيرة وحتى أخر لحظة
البطانية في خدار كانت تساوي فندقا بأكمله
في خدار الكثير منا افتقد كل شيء إلا الله
وفي خدار أيضا هناك من لم يبردوا فيها ولكنهم بردوا
بعدها
من لم يشارك في هذه المسيرة فقد فاته الكثير والكثير
أحد رجال الخير وزع على المشاركين في المسيرة بين ذمار
ومعبر مضلات ومن كثر التدافع والصراع على الحصول على مضلة تلفت معظم المضلات
تم توزيع ملابس صوفية وأحذية قي ذمار وفي الصباح بخدار
لكن لأعداد محدودة
خلال تواجد المشاركون في المسيرة حدثت بعض الأحداث
المؤسفة التي حاول البعض زج المشاركون في المسيرة بها ومنها أحداث المنصة حيث قام
أفراد مشاركون في المسيرة لا يمثلون إلا أنفسهم وبالتعاون مع جماعات أخرى داخل
الساحة بعمل احتكاكات مع المشرفين على المنصة وحدثت اشتباكات مؤسفة كنا في غنى
عنها فنحن لم نشارك في المسيرة من أجل أن نظهر على المنصة وإن كان هناك من شارك من
أجل ذلك كما بدا وظهر لنا
وهناك أشخاص كانوا يتصرفون تصرفات غريبة ويرددون شعارات
غير لائقة وهم بذلك لا يمثلون إلا أنفسهم ومنهم من لم يشارك أصلا في المسيرة ولا
علاقة له بها .
وهناك أشخاص كانوا يتسولون باسم المشاركين في المسيرة
وكثير منهم أأكد أنهم لا علاقة لهم بالمسيرة لا من قريب ولا بعيد .
تم بحمد الله بتأريخ 14/1/2012م علما بأن المسيرة بدأت
في يوم 20/12/2011م والوصول بعد خمسة أيام في 24/12/2011م وبدأت الكتابة عن
المسيرة من لحظة مشاركتي فيها تفريغا من الذاكرة لأني لم أكن أنتوي الكتابة عن
الرحلة ولم أستعد للكتابة بالتدوين المباشر والتلقائي ولأنه في الأساس لم تكن هناك
فرصة للكتابة وقد استغرقت ما يقارب العشرة أيام للكتابة عن هذه المسيرة العظيمة .
مع خالص تحياتي جلال الوهبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق