الذات المقدسة والديكتاتورية المفرطة
على مدى سنوات وعقود عجاف وبعفوية وغباء مفرط ظللنا نقدس أشخاص وننسب إليهم كل شيء في حياتنا مع أنهم لم يصنعوا أي شيء من أجلنا بل نحن كنا لهم ولأجلهم وتحت رغباتهم وأوامرهم ونحن أهل لأن نحترم ونعامل باحترام وهم ليس أهل لمثل هذه الأشياء لأنهم قابلوا كل جميل منا بكل سوء منهم .
لقد أجزلنا لهم الألقاب التي لا صلة لهم بها لا من قريب أو من بعيد لقد خفنا منهم حد الرعب لقد قدسناهم وبالغنا لهم بالتقديس وقدسنا أبناءهم وأسرهم ورفاقهم وحاشيتهم وصنعنا ديكتاتوريتهم ودفعنا الثمن من حريتنا ودمائنا وكرامتنا وقوت حياتنا .
لقد صدقوا أنفسهم وأصبحوا منظرين وأصحاب نظريات وأصحاب كتب بعدما نحن أقنعناهم بذلك وكتبنا في عبقريتهم وحسن إدارتهم وفي بديهتهم وقيادتهم القصائد والقصص والكتب .
لقد نسبنا لهم الوقائع العظام والأفعال الجسام والتضحيات الكبار من أجلنا ومن أجل أوطاننا لقد ظللنا نمدحهم على الدوام ونغطي تحركاتهم منذ استيقاظهم وعند دخولهم الحمام لقد سجلنا أحلامهم ومدحناها وقلنا فيها أبلغ الكلام .
لقد حولنا التلفزيونات أملاك خاصة بهم وبخطاباتهم وسمينا الشوارع بأسماء أقربائهم وإنجازاتهم لقد اختزلنا الأوطان بهم لقد صنعنا ديكتاتورياتهم إما تزلفا لنيل حاجة وهذا دأب القريبين منهم أو غباءً منا وهذا دأب البسطاء والمساكين .
هذا هو وقت دفع ثمن ما ارتكبنا من جرم أو ما ارتكبها الذين سبقونا وليس لنا أن نحتار لماذا يفعلون بنا هكذا فنحن حرمناهم أو نحاول حرمانهم من أشياء كانت بين أيديهم فلا غرابه إن تعاملوا معنا معاملة الأعداء ولا غرابة إن سألوا من نحن حتى نقف أمامهم ومن نحن حتى نطلب منهم الرحيل ومن يرحل نحن أم هم .
اعذروهم لقد وضعناهم في موقف لم يحسبوا حسابه لقد توقعوا أن يأتيهم الشر من المؤسسة العسكرية كما وصل الشر إلى الذين سبقوهم فتفطنوا للأمر وحولوا هذه المؤسسات إلى مؤسسات أسرية مأمونة الجانب .
نحن الآن نعرِفهم حقيقتهم وننزع منهم الكذبة التي عاشوا فيها وهم يقاومون بشراسة من أجل أن يضلوا فيما هم فيه وفيما منحناهم من مكانة وقدسية كاذبة وهم يبذلون كل ما بوسعهم لأجل ذلك متناسين أن لكل شيء نهاية وأن الزمان قد تغير وأنهم راحلون وأن ديكتاتوريتهم قد سقطت وأنهم بشر عاديون الشعوب صنعة غرورهم وهي من يسقط وسيسقط هذا الغرور وهذه القدسية وهذه الديكتاتورية الممقوتة الملعونة .
جلال الوهبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق