الدموع الآثمة على الأنظمة الظالمة
كما أنه لم يكن مقبولا البتة تمجيد تلك الأنظمة حينما كانت موجودة وفي أوج قوتها وسلطتها فإنه ليس مقبولا الآن حتى الحديث عنها بكلام يخالف العقل والمنطق فما رفضناه وهم أهلا لفرضه نحن نرفضه الآن ونحن أهلا لرفضه فما بالك إن وجد الآن من يذرف الدموع على تلك الأنظمة تألما على مصيرها وحزنا على هلاكها وهنا لا أدري ما أسميها فليتها كانت دموع تماسيح لهان الحديث عنها لكن المؤسف أنها دموع أقل ما يقال عنها أنها دموع آثمة على أنظمة ظالمة الأجدى هنا أن تذرف دموع الفرح على ما أصابها .
ولأصحاب هذه الدموع الآثمة وإن لم تكن دموع على الخدين بادية وإنما دموع من القلب وبكاء نسمع نحيبه وإن كان بدون صوت نقول أين كانت هذه الدموع والشعوب تتألم وعهن ركب الحضارة تتخلف أين كانت هذه الدموع وتلك الأنظمة البائدة تظلم وتقتل وتعتقل وترهب وتدمر الإنسان الذي هو أغلى ما تمتلكه المجتمعات والأمم .
أين كان ذلك النحيب عندما كانت تلك الأنظمة الطاغية تهلك الحرث والنسل وأين كانت عندما كانت تقمع وتصادر الحريات وتغيب أصحابها في غياهب السجون .
أين كانت هذه الدموع عندما كانت تلك الأنظمة تخفي أصحاب المشاريع الحضارية والتنويرية والنهضوية والتقدمية لا لشيء إلا لأنهم يبحثون عن عزة وتقدم أوطانهم .
أين كانت هذه الدموع عندما كانت ترى الناس يتسابقون على براميل القمامات وعلى مكبات النفايات طمعا في القليل من الطعام وفي فرز ما ينفع بيعه من مواد لكي يقتاتوا ويبقون على قيد الحياة .
أين كانت هذه الدموع عندما ترى ملايين العاطلين عن العمل يتيهون على وجوههم في الشوارع دون رعاية وضمان اجتماعي يضمن لهم حياة طبيعية بعدما قست عليهم الظروف والأيام .
أين كانت هذه الدموع والظلم والاستبداد والطغيان قد وصل إلى كل القطاعات العامة والخاصة والمختلطة وأصبح المواطن والعامل أشبه بالعبد عند سيده بلا حقوق أو ما شابه الحقوق .
صحيح كثرة التساؤلات أين كانت تلك الدموع والإجابة واحدة كانت غير موجودة لأن الهم كان أين يكون صاحب تلك الدموع وما دام أنه لا يعاني فلماذا يشغل نفسه بمعاناة غيره ونسي أن المجتمع كل لا يتجزأ إن شقي بعضه وصل شقاءها إلى غيرها .
واليوم وإن ثار الناس على ماض مرير وفي دول عربية عديدة وكان الأجدر بمن تغاضوا عن صرة المظلوم ونصح الظالم أن يكفروا عن سيئاتهم وآثامهم وأن يدعموا ولو بكلمة حركات التحرر والثورات المباركة وجدنا منهم العكس تماما لأن من أسرف في الظلم والجهل لا يمكن له أن يهتدي إلى طريق الحق بلا إن الانغماس في الظلال والغي هو مصيره وعدم التوفيق هو جزاءه ولذلك رأيناهم يظهرون أنفسهم بعدما كنا قد نسيناهم وبلا خجل يتباكون على سقوط أنظمة ظالمة كان ينبغي أن تذرف على سقوطها وزوالها دموع الفرحة .
ولمثل هؤلاء نقول ليس من الحكمة أن نبكي على طائرات يقال أننا نملها تسقط وهي تقصفنا وليس من العقل أن نتأثر لدبابات تُدمر وقذائفها تدمر القرى والبيوت على رؤوس ساكنيها وإن يقال أن هذه الدبابات ملكنا .
وليس من المنطق أن نحزن على جنود يُقتلوا وهم يقطعون الطرق ويقتلون عزلا ينادونا بالحرية والعدالة وإن يقال أنهم درع والوطن وحماته وإنه من البديهي أن لا يكون لنا علاقة بمثل هؤلاء ولا يهتز لنا طرف بما يؤل له حالهم .
إنه لمن الغريب أن يأتي من يتباكى على نظام طائفي ديكتاتوري لا نذكره إلا بمجازره وخلال أقل من عام قتل أكثر من ثمانية آلاف مواطن مهما قدم من مبررات وحجج واهية وتحت أي مسميات .
ولمثل هؤلاء نقول أيضا ليس مقبولا على الإطلاق أن يأتي من يتباكى على الأنظمة التي احتضرت وتحتضر ولا على أدواتها أو أجهزتها القمعية فلو كان هناك خيرا في هذه الأدوات والأجهزة لوقفت في صف الشعوب لا في صف الطغاة والمستبدين .
لن نبكي ولن نذرف دمعة على جيوش تُدمر كائنا من كان الذي يستهدفها ما دام وأن تلك الجيوش لا تمثلنا ولا تسهر لحمايتنا وما دام وأنها مرتبطة بطغاة ومجانين خطرهم الواضح البين أعظم من الفوائد المرجوة وغير الواضحة .
لتذهب تلك الأنظمة الظالمة البائسة بأجهزتها وأسلحتها وأدواتها وكتابها ومرتزقتها إلى الجحيم فذهبها نعمة وبقاءها داء ونقمة ومعاناة وشر عظيم ومن ثورة إلى ثورة .
جلال الوهبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق