الجمعة، 12 يونيو 2009

يوم مع الكادحين

يوم مع الكادحين

ربما كنت أحسب هذا اليوم من أروع الأيام وخصوصاً أنه اليوم الأول الذي يتصل بي أحد الأصدقاء مباركاً بقوله لماذا لم تجب على جوالك
- قد سئمت من حمله فتركته في الدكان لأنه لم يصلني من خلاله أي حديث يريحني كما كنت أتوقع عندما اقتنيته لأول مرة ولكن أحسنت بالاتصال على هاتف المنزل فأنا غالياً بداخله لا أتركه
- مبروك يا جلال على الوظيفة وعليك أن تنزل الآن إلى المصنع لاستلام العمل
- سأنزل حالاً
وانطلقت إلى المرآة وأخرجت من حقيبتي جيلي اشتريته منذ ما يقارب العام ودهنت شعر رأسي وسرحته على السريع وغيرت ثيابي وحملت بجيبي بعض النقود وانطلقت إلى مكان أستطيع فيه وقف سيارة أركبها إلى المنطقة التي يتواجد فيها المصنع والذي بعد عن القرية قرابة أربعة كيلو متر وما هي إلا بضع دقائق وأصل إلى مفترق الطريق التي يبعد عنه المصنع مسيرة بضع دقائق وتفحصت جوالي لأجد مكالمة مفقودة من رقم صالح الذي كان ينتظرني عند بوابة المصنع فداعبته عن طريق تذكيري له بما حدث لنا منذ ما يقارب العام والنصف عندما ذهبت لتقديم ملف وظيفتي وتسببت بغض مدير الشؤون الذي بدوره كسر كوب شاي بسبب غضبه مني عندما حاولت دخول المختبر خلف صالح وبالطبع فصالح يذكر الحاثة جيداً ودخلنا مكتب الشؤون الإدارية والتقيت بنشوان الذي أعطاني استمارتين طلب مني ملئهما بالبيانات الخاصة بي وبعدها أخذها وضمها إلى ملفي الموجود لدى صالح منذ قرابة العام والنصف وأخبر مشرف الإنتاج بأني أستطيع العمل متى شاء فرد عليه قائلاً ليبدأ العمل من الوردية الثانية التي تبدأ الثانية ظهراً وتنتهي في العاشرة مساءً وتوجه نشوان إلي طالباً مني أن أهتم بهندامي وأن أقصر لحيتي ولم يكن لدي مانع لفعل ذلك وطلب مني أن أعمل وأن لا أخذله أمام أرباب العمل خصوصاً أننا من بلاد واحدة وسوف أسبب له إحراج في حالة عدم استمراري في العمل أو عدم انضباطي فطمأنته و قبل أن أغادر لأجهز نفسي للعمل سألته إن كان هنالك فرصة عمل شاغرة أخرى لصديقي هلال فرد بالإيجاب وطلب مني أن أخبره بأن يأتي بملفه بعد الظهر فودعته وانطلقت إلى مدينة القاعدة وحلقت شعري واشتريت مصباح يدوياً صغير الحجم بغرض استخدامه عند المشي ليلاً وعدت إلى المنزل وطلبت من هلال تجهيز ملفه وتناولت الغداء وانطلقت إلى الطريق الرئيسي ومعي هلال الذي رافقته إلى مفرق المصنع ليكمل طريقه إلى القاعدة حتى يجهز وثائق توظيفه وما إن وصلت إلى بوابة المصنع وجدت صالح الذي كان قد اتصل بجوالي أثناء ركوبي الحافلة إلى المصنع وربما لأن الرنة كانت قصيرة أو لأن صوت جوالي منخفض لم أشعر باتصال صالح وعلى الفور ذكرته بما حدث لي قبل عام ونصف تقريباً عندما جئت لتسليم ملفي بغرض الحصول على وظيفة وما حدث لنا من غضب مدير الشؤون الذي كسر كوب الشاي غضباً من صالح الذي أحضرني وغضباً من محاولتي الدخول إلى قسم المختبر والذي يمنع دخوله عدى العاملين فيها وشرح لي ما ينبغي عليا فعله من قبيل تسجيل اسمي في حافظة الدوام وتوقيع الدخول ومن ثم الدخول إلى قسم الإنتاج كي أخذ التعليمات من مشرف العمال وبالفعل نفذت التعليمات المطلوبة وتعرفت على مشرف الإنتاج وعرفته بنفسي الذي بدوره عرفني على مشرف الوردية الذي طلب مني العمل في دفع كراتين الماء بعد خروجه من الآلة التي تقوم بوضع عشرين قنينة ماء في كرتون ولفها بالبلاستيك مما يجعلها حارة على اليد التي لم تألفها وللعلم فقد طلب مني مشرف الإنتاج بالقيام بهذا العمل رغم معرفته أني أحمل بكالوريوس في الاقتصاد الزراعي الذي أعتز به كثيراً ولكن مشرف الإنتاج طلب من مشرف الوردية نقلي إلى الآلة التي تقوم بكرتنة العشرون قنينة ولفه بالبلاستيك والتي يعمل عليها ما بين عاملين إلى ثلاثة وطلب من العاملين تعليمي عليها ورغم أن أحد العمال الذي كنت أعرفه نوعاً ما كان سعيداً لأجلي لأنه قد جرب دفع الكراتين قرابة الأسبوعين مبيناً لي مدى التعب والإرهاق الذين أصابه وكذلك ذهب الاستغراب عن بقية العمال بسبب عملي في دفع الكراتين رغم الشهادة التي أحملها وللعلم فقد رأيت أن العمل الذي تحولت إليه صعب خصوصاً وأن الشلك الذي يستخدم في تصميغ الكراتين دائماً ما يتسبب في توقف الآلة وبالتالي يحتاج إلى عملية إزالة وقد شاهدت أحد العمال ويده قد طلتها الآلة بالشلك الساخن وهو يزيله بثيابه حيث لا معدات سلامة ولا معدات تحفظ يد العامل من هذا الصمغ الحار لذلك فضلت الابتعاد عن هذه الآلة خصوصاً بعد أن عرفت أن الأجرة اليومية للعامل فه هذا المصنع لتعبئة المياه يتقاضى خمس مائة ريال سواءً كان يعمل في هذه الآلة المتعبة أو في دفع الكراتين أو في مراقبة خط سير القناني أو في آلة لصق شعار الشركة والمعلومات الخاصة بالمنتج فلا فرق بين مهنة وأخرى وللعلم فإني كنت أفضل الاستمرار في دفع الكراتين لولا رائحة البلاستيك المنبعثة من آلة الكرتنة ولف الكراتين بالبلاستيك وللأمانة فقد وجدت أن العمل السهل هو ما يقوم به الشخص الذي كنت أعرفه قليلا وكان قد عمل في دفع الكراتين لمدة أسبوعين ولكنه حذرني من أنه لو مرت قنينة غير مغلقة جيداً أو بدون تأريخ أو فارغة فأن العامل على المراقبة سوف يتعرض لعقوبة قاسية تتمثل بقطع راتب يومين عن الخطأ الواحد وبنما أن أتبادل الحديث مع هذا الرفيق طلب مني مشرف الوردية العودة إلى دفع الكراتين يبدوا أن لاحظ بأني لا أقوم بعمل متعب ولكن مشرف الإنتاج أعادني مرة ثانية لآلة الكرتنة وطلب من العاملين عليها بتعليمي العمل وللذين كانا متحفظين على تعليمي العمل وللأمانة فقد فهمت عملهما ولكني لا أريد أن أوضح ذلك لأني أصبحت في قناعة ومنذ دخلت معمل الإنتاج ومن خلال كلام العمال وحالتهم النفسية المتعبة من العمل بسبب قلة الأجر الذي يتقاضونه ولومهم المبطن لي بسبب مجيئي للعمل هنا ومعرفتي للكثير من معاناتهم ومأخذهم على العمل من خلال الساعة الأولى التي لم أدخر جهداً فيها لمعرفة كل ما يهمني عن العمل وكل ما في عقول العمال من معاناة ومآخذ على العمل أدركت أن فترة بقائي لن تطول وعدنا إلى العمل الخفيف نوعاً لأنه بين شدة عندما نستقبل دفعة الإنتاج من قسم التعقيم وبين هدوء وراحة مملة أيضاً وطويلة عندما تكون قناني المياه بعيدة عن آلة الكرتنة والدفع وما هي إلا ساعة وربع ونسمع صوت انفجار عظيم وكأنها قنبلة قد انفجرت بين أقدامنا وتنطفئ الإضاءة وتتوقف الآلات عن العمل ويتدافع العمال في الخروج وكنت أخرهم لنعلم أننا كنا نعمل أثناء هطول المطر وأن صاعقة رعدية قد أصابت مولد الكهرباء الخاص بالمعمل ليشكرني أحد العمال على أني فأل خير لهم لأني قد تسببت بعطلة لهم ما كانوا ليأخذوها وكل فرح بما حدث للمولد الكهربائي وكل به أسبابه فهذا يقول إن إدارة الشركة سرقت منه أجرة يوم 22مايو بسبب غيابه لأربعة أيام صادف يوم 22مايو خلاها وهذا يقول إن الأجر الذي يأخذونه حقير ولا يناسب العمل والفترة التي يعملون بها والكل يقول إن هذا انتقام الله لهم من إدارة المصنع والكل يتمنى أن تكون الخسائر فادحة فيا سبحان الله كيف لا يعلم مالك المصنع وإدارته بهذه المشاعر الدفينة والسيئة تجاهه وتجاه إدارته من قبل العمال الذين يتقاضون ثلث ما يتقاضه المشرف الذي لا يقوم بربع العمل الذي يقوم بها العامل ومما زاد الطين بله أنه طُلب منهم البقاء حتى إشعار أخر على أمل أن يتمكن فنيو المصنع من إصلاح الخلل فكان كل من أراد الذهاب إلى الحمام وجب عليه أخذ رخصة من المشرف أو من مشرف الإنتاج وحتى الذهاب إلى صلاة العصر بإذن وحتى الخروج إلى بوابة المصنع ممنوع وكأنك في معسكر قائده قاسي القلب وحاد الطباع وبقينا في الانتظار وفي الخامسة عصراً بدأ العمال يتحدثون عن طعام العشاء وبدأ كل عامل يخرج مبلغاً من المال أظنه مائة ريال قسمه لقسمين أربع أقراص روتي بأربعين ريال ونصف نفر فاصوليا بستين ريال وعشرة ريال مساهمة في أجرة الدراجة النارية التي سيستأجرها الشخص المنتدب لشراء طعام العشاء وهنا أردت أن أفعل مثلهم فأخرجت مائة ريال من جيبي وتكفل صديق لي بإعطاء الشخص المنتدب عشرة ريال مساهمتي في أجرة الدراجة النارية وما فاجأني هو رفض ذلك الشخص كتابة اسمي بحجة أن لديه أخ على أسمي وهو يكرهه ويكره الأسماء التي على اسم أخيه واكتفى بالإشارة إلى اسمي بشخبطة القلم بما يشبه التوقيع البدائي وعاد العمال إلى الحديث فيما بينهم واللعب بجوالاتهم وأنا عدت للتفكير بما نحن فيه وإلى حال هؤلاء العمال وما إن اقتربت الساعة من السادسة حتى طلب منى مشرف الوردية الدخول لجمع القناني التالفة وما أحدثناه أثناء عملنا قبل أن يحل الظلام وبعدما قمنا بذلك طلب منا مشرف الإنتاج جمع القناني من منطقة كتابة التأريخ إلى المنطقة التي تسبق منطقة الكرتنة وحاولنا التملص من هذه المهمة بحجة ظلمة المكان إلا أن محولتنا باءة بالفشل وقمنا بجمع القناني إلى المكان المطلوب وخرجنا إلى خارج المعمل وتمتعنا بمنظر جمالي بديع خلفه المطر الذي تسبب بالصاعقة الرعدية التي تسببت بتوقف المعمل عن العمل والتقيت بمدير المختبر الذي عرفنا من خلال أنني الشخص الوحيد الذي لم يكن يعرفه ومن خلال حديث صالح عني وأعجبت بتواضعه وأخلاقه العالية وتبادلنا الحديث فيما بيننا ولم يقطع عنا استمرار الحديث إلا قيام أحد العاملين بإقامة صلاة المغرب التي سارعنا لتأديتها وبعدها عرفنا أن المصنع لن يعمل وأنه تقرر دفع أجرة نصف يوم لنا فحسدنا الأشخاص الذين تقدموا بإجازة نصف يوم فهم على ما يبدوا قد ربحوا ورغم أن هذا القرار لم يرق لبعض العمال الذين كانوا يفضلون البقاء في ساحة المصنع ويستلموا أجرة يوم كامل على الرحيل واستلام أجرة نصف يوم ولكن الغلبة كانت للإدارة وانتظر العمال وصول العشاء وكل واحد أخذ نصيبه معه وانطلق عائداً إلى بيته وانطلقت مع العاملين في المصنع من قريتي الذين تحدثوا عن قلة الراتب الذي يأخذونه وخصوصاً فني المختبر وكيف أنه قد هدد مدير المصنع بالمغادرة إن لم يتم رفع راتبه في أقرب فرصة وخصوصاً إذا ما تم رفع راتب أي عامل أو فئة من العمال وتعجبت كيف لأولئك العمال صامتون رغم رواتبهم الحقيرة وعملهم الشاق وكيف لهؤلاء الفنيين الذين يطالبون بالمزيد رغم رواتبهم الكبيرة مقارنة برواتب العمال وربما يكون السبب هو المستوى الثقافي والعلمي الذي يميز فريق الفنيين عن فريق العمال والذي يجعل الفني أكثر شجاعة وجرأة في المطالبة بحقوقه على عكس العامل الذي تمكن منه الخوف على القليل الذي يتقاضه الذين لا يملكون الثقافة التي تؤهلهم للمطالبة بالأجر الذي يستحقونه وكذلك عدم وجود القائد فيما بينهم الذي يمكنه أن ينتزع حقوقهم وربما وجد ذلك الشخص إلا أنه لم يلمس منهم التعاون والتنسيق الذي يمكنه من المطالبة بحقوقهم دون أن يفقد هو حقوقه بالاستغناء أو ما شابه ذلك فهؤلاء العمال بحاجة إلى نظرة جادة من السلطة لتمكينهم من الحقوق التي يستحقونها والحفاظ على وظائفهم بدلاً من الشعارات والاحتفالات التي لا طائل منها ولن توفر حياة كريمة لعامل أو وضع معيشياً مناسباً يتناسب والمجهود الذي يقدمه للمنشئة التي يعمل فيها وللوطن الذي يتقاضى ضرائب من دخله وكأن هم هذه السلطة هو تلك الضرائب المفروضة على دخل العمال لا العامل الكادح المسكين وكل هذا يجعلني أفكر أكثر من مرة هل أعود إلى هذا المعمل مرة أخرى وللآن لا أعرف هل أعود أم لا .

جلال الوهبي

Glal_wh@yahoo.com

ليست هناك تعليقات: