جثمان شمسان
عشرون سيارة حضرت مع جثمان شمسان من صنعاء بعدما تم نقله جواً من صعده التي أصابته فيها طلقة استقرت في قلبه لم ينفع معها إسعاف خاله الذي يشاركه مهمة قتالية داخل مدينة صعده التي جمعته بخاله وجمع كبير من أبناء قريته الذين جلهم منخرطون في السلك العسكري وفي مختلف الوحدات التي تفرقوا فيها ولكن ست سنوات من الحرب وصعده كانت كفيلة بأن تجمع بين كثيراً منهم وكان من الطبيعي أن تدفع هذه القرية ثمناً لتواجد كثير من أبنائها في خضم هذه الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس ولكن قبل اليوم كانت هذه القرية مكتفية بتقديمها للجرحى فقط حتى ضن الجميع أن الحرب لعبة أو نزهة ويشكون في وجود قتلى لهذه الحرب حتى اليوم الذي وصل فيه جثمان شمسان ليستقبل والده الجثمان والموكب بوابل من الرصاص أطلقها في السماء محييا ولده الشهيد وليقطع بصوت بندقيته صوت النحيب الذي تعالى في منزل شمسان وجيران شمسان فالنساء كعادتهن في التعامل مع هذه المواقف لا يجدن سوى البكاء والعويل والنحيب خصوصاً أن شمسان فقد روحه في ريعان الشباب وهو يدافع عن الوطن وعن لقمة العيش إنهن اليوم يودعن شمسان الشاب الطموح النشيط الذي عمل بكل جهد حتى يدخل المؤسسة العسكرية لقد عمل في حفر بئر مياه ليحصل على النقود التي بواسطتها وبواسطة الدين تمكن من الالتحاق بالمؤسسة العسكرية لقد بذل شمسان كل ما بوسعه للحصول على وظيفة وخطط لمستقبله وبعدما عقد قرانه بإحدى بنات القرية نشبت الحرب السادسة ليؤجل حفل الزفاف حتى يعود ولكنها الحرب قاسية لا تعرف كل هذه المعاني لكن دموع النساء تعرفها جيداً فهي تبكي اليوم بكاءً حاراً فبعدما كن ينتظرن الفرح إذا هن يذرفن دموع الحزن وأيديهن على قلوبهن خوفاً من أن تأتي صناديق أخرى فلكل واحدة منهن قريب أو خطيب أو زوج موجود في صعده يخوض حرب ضروس لا يعلم من أين قد تأتيه رصاصة قاتلة أو قذيفة مدمرة فكم قد فقدوا من الرفاق وكم كانوا قريبون من الموت.
هذه الدموع تتمنى أن يكون شمسان أخر غال يفتقد هذه الدموع دعوات تبتهل إلى الله أن يعيد أبناء القرية سالمون هذه الدموع تتمنى لهذه الحرب المجنونة أن تموت فهذه الدموع جعلت الجميع يشعرون ما معنى أن تفقد الأم والزوجة والأب والقرية رجالها في حرب ما كان ينبغي لها أن تكون وهذه الدموع تشعر بدموع أخريات ممن يقتل لهن رجال برصاص يمنية فالكل ضحايا والكل يمنيون فيا ليت هذا الجثمان الذي يهال عليه التراب يكون أخر من تغتاله رصاص هذه الحرب البشعة وليت لغة العقل تخرج لنا الحلول وليت الحكمة التي فينا تحيد الجنون.
جلال الوهبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق